الأربعاء 16 سبتمبر 2026 12:45 مـ 3 ربيع آخر 1448 هـ
أسواق نيوز
رئيس مجلس الإدارة معتصم ابراهيم رئيس التحرير أشرف سعيد
×

السعودية في عين العاصفة: معركة النفط لم تعد على السعر بل على طريق النفط

الأربعاء 16 سبتمبر 2026 08:59 صـ 3 ربيع آخر 1448 هـ
د. محمد سامح
د. محمد سامح

لم تعد السعودية تواجه أزمة نفطية تقليدية يمكن احتواؤها بمجرد زيادة الإنتاج أو خفضه. ما جرى خلال الأيام الأخيرة نقل الأزمة إلى مستوى أكثر تعقيدًا؛ فالمشكلة لم تعد في وجود النفط تحت الأرض، وإنما في القدرة على نقله وتأمين وصوله إلى الأسواق، في وقت تتعرض فيه ممرات الطاقة الرئيسية لضغوط متزامنة في مضيق هرمز وباب المندب، بينما تعرض خط الشرق–الغرب السعودي لهجوم أدى إلى توقف أحد أهم مسارات تصدير النفط في المنطقة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الدولة التي اعتاد العالم النظر إليها باعتبارها أحد أهم صمامات أمان سوق النفط، أصبحت مطالبة اليوم بحماية صمام الأمان نفسه.

خط الشرق–الغرب، أو «بترولاين»، يمتد لنحو 1,200 كيلومتر، وكان ينقل في الفترة الأخيرة قرابة 4 ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 4% من الإمدادات العالمية، بينما تصل طاقته التصميمية إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا. ولذلك فإن توقفه لا يمثل مجرد مشكلة لوجستية داخل السعودية، بل يضغط مباشرة على قدرة المملكة على إيصال الخام إلى الأسواق العالمية.

والأخطر أن الأزمة جاءت في توقيت أصبحت فيه قدرة السعودية الإنتاجية نفسها أقل من مستوياتها السابقة. فقد تراجع إنتاج المملكة من نحو 10.9 مليون برميل يوميًا في فبراير إلى نحو 6.2 مليون برميل يوميًا في أغسطس، أي انخفاض يقارب 4.7 مليون برميل يوميًا، بما يعادل نحو 43% من مستوى فبراير. وفي الوقت نفسه، تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الإمدادات العالمية قد تنخفض خلال 2026 بنحو 5.7 مليون برميل يوميًا، أو ما يقارب 6% من المعروض العالمي.

لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: إلى أين سيصل سعر النفط؟

السؤال الأكثر أهمية هو: كم برميلًا سعوديًا تستطيع المملكة فعليًا أن توصل إلى العميل، وبأي تكلفة، ومن أي طريق؟

وهنا تتغير المعادلة الاقتصادية بالكامل.

يمكن تبسيط القيمة الاقتصادية الحقيقية للصادرات النفطية السعودية خلال الأزمة بالصيغة التالية:

القيمة الفعلية للصادرات = سعر النفط مضروبًا في عدد البراميل التي تصل فعليًا إلى العميل، مطروحًا منه تكلفة النقل والتأمين وإعادة التوجيه.

وهذا يفسر لماذا لا يعني ارتفاع سعر برنت تلقائيًا أن السعودية أصبحت المستفيد الأكبر من الأزمة. فإذا ارتفع سعر النفط من 100 دولار إلى 130 دولارًا، بينما فقدت المملكة جزءًا كبيرًا من الكميات القابلة للتصدير، وارتفعت تكلفة الشحن والتأمين والتخزين، فإن جزءًا كبيرًا من المكسب السعري قد يتحول إلى تعويض عن خسارة الحجم وارتفاع تكلفة الوصول إلى السوق.

ولنفترض، على سبيل المثال التحليلي، أن السعودية فقدت القدرة على تصدير مليوني برميل يوميًا لمدة 30 يومًا. هذا يعني فقدان نحو 60 مليون برميل خلال شهر. وعند سعر 110 دولارات للبرميل، تبلغ القيمة الإجمالية لهذه الكمية نحو 6.6 مليار دولار.

وإذا ارتفع السعر إلى 130 دولارًا، فإن الزيادة السعرية البالغة 20 دولارًا للبرميل تعني قيمة إضافية قدرها نحو 1.2 مليار دولار فقط على كمية الستين مليون برميل التي كان يمكن بيعها أصلًا. أما إذا كانت الكمية نفسها غير قادرة على الوصول إلى السوق، فإن ارتفاع السعر لا يعوض تلقائيًا خسارة الحجم.

وهنا تظهر قاعدة الأزمة الجديدة:

البرميل الذي لا يستطيع الوصول إلى السوق لا تساوي قيمته الاقتصادية سعر برنت المنشور على الشاشة.

وهذا هو السبب في أن حركة الناقلات والتأمين أصبحت أكثر أهمية من حركة السعر نفسها. فقد وصلت أسعار نقل الناقلات إلى مستويات قياسية، بينما ظهرت أيضًا صعوبات في توفير وقود السفن، في الوقت الذي أصبحت فيه شركات التكرير الآسيوية أكثر قلقًا بشأن انتظام شحنات الخام السعودي. كما أن الصين قلصت منذ أغسطس اعتمادها على نقل الخام عبر البحر الأحمر، ما زاد الضغط على أسواق الناقلات ورفع تكاليف النقل.

أما مضيق هرمز، فمشكلته أكبر من مجرد طريق بحري ضيق. قبل اندلاع الحرب كان يمر عبره ما يقارب 20% من إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية، بينما تراجعت حركة السفن عبره بصورة كبيرة خلال الأزمة. وفي باب المندب، تراجعت تدفقات النفط إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميًا في أغسطس مقارنة بنحو 3.14 مليون برميل يوميًا في يوليو، وفق بيانات أوردتها مصادر السوق.

وبالتالي، فإن السعودية تواجه عمليًا ثلاث حلقات مترابطة من المخاطر: الإنتاج، والنقل، والتصدير.

إذا تعطلت حلقة واحدة، يمكن إدارة الأزمة. أما إذا تعطلت الحلقات الثلاث في الوقت نفسه، فإن الأزمة تتحول من أزمة أسعار إلى أزمة إمدادات عالمية.

وهنا تصبح مصر جزءًا مهمًا من المعادلة.

فالبديل لا يجب أن يكون البحث عن طريق واحد يحل محل جميع الطرق، وإنما بناء شبكة من المسارات البديلة تستطيع امتصاص الصدمة. ويأتي خط أنابيب سوميد وميناء العين السخنة وميناء سيدي كرير على البحر المتوسط ضمن أهم الأدوات التي يمكن أن تدخل في هذا التصور، خصوصًا إذا تم التعامل معها باعتبارها جزءًا من ممر طوارئ سعودي–مصري للطاقة وليس مجرد بنية تحتية قائمة بالفعل.

الفكرة هنا ليست أن مصر تستطيع أن تعوض جميع الكميات السعودية المفقودة، فهذا غير واقعي، وإنما أن تستطيع امتصاص جزء من التدفقات، وإعادة توجيهها، وتوفير التخزين والموانئ ومسارات بديلة للوصول إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

وهذا النوع من المرونة قد يكون أكثر قيمة من مجرد امتلاك طاقة إنتاجية إضافية.

فالسعودية تستطيع أن تضخ النفط، لكن القيمة الاقتصادية لا تتحقق إلا عندما يتم تحميله على ناقلة، وتأمينه، ونقله، وتفريغه، ثم تسليمه إلى المصفاة أو المشتري النهائي.

ولهذا فإن الإجراءات السعودية خلال الأيام الأولى للأزمة يجب أن تركز على البرميل القابل للتسليم وليس فقط على البرميل المنتج.

خلال أول 72 ساعة، يجب أن تكون الأولوية لتقييم الأضرار، وإعادة تشغيل أي جزء ممكن من خط الشرق–الغرب بأسرع وقت، وحماية المخزونات، وتأمين الناقلات، وتحديد الموانئ والمسارات البديلة.

ولا ينبغي انتظار عودة الخط إلى طاقته الكاملة البالغة نحو 7 ملايين برميل يوميًا حتى تبدأ عمليات التصدير. فالعودة الجزئية لها قيمة اقتصادية كبيرة، لأنها تعني استعادة جزء من القدرة على تحريك الخام وتقليل الضغط على البدائل.

وتشير التجارب السابقة إلى أن السعودية تمتلك قدرة على إعادة بناء وتشغيل بنيتها التحتية بسرعة. ففي أعقاب هجمات 2019 على منشآت بقيق وخريص، فقدت المملكة نحو 5.7 مليون برميل يوميًا من الإنتاج، أي أكثر من 5% من الإمدادات العالمية في ذلك الوقت، قبل أن تتمكن من استعادة جزء كبير من الإنتاج خلال فترة قصيرة. كما تمكنت المملكة في أبريل 2026 من استعادة طاقة خط الشرق–الغرب إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا بعد اضطرابات سابقة.

لكن الفرق هذه المرة أن المشكلة ليست في منشأة واحدة فقط.

إنها مشكلة شبكة كاملة من الطرق والموانئ والممرات البحرية.

ولهذا فإن إنشاء تجمع استراتيجي للناقلات يصبح ضرورة، بحيث يتم تأمين عدد كافٍ من ناقلات VLCC وSuezmax وAframax مسبقًا، مع ترتيبات تأمين خاصة للمناطق مرتفعة المخاطر.

كما ينبغي أن يكون هناك ترتيب واضح لتوزيع الخام بين الموانئ، بحيث لا تعتمد المملكة على نقطة تصدير واحدة أو طريق بحري واحد. وكلما ارتفع عدد البدائل، انخفضت قدرة أي هجوم أو إغلاق على شل الصادرات بالكامل.

وهنا تظهر أهمية المخزونات.

تشير تقديرات السوق إلى أن مخزونات النفط الجاهزة للتصدير في ينبع قد تغطي نحو خمسة إلى سبعة أيام، مع وجود كميات محدودة إضافية في العين السخنة وسيدي كرير في مصر. لكن استخدام المخزون يجب أن يكون تكتيكيًا وليس عشوائيًا؛ لأن استنزافه بسرعة قد يحل مشكلة اليوم ويخلق أزمة أكبر بعد أسبوعين.

لذلك يجب أن يكون الهدف هو استخدام المخزون لكسب الوقت وليس استبدال الإنتاج والتصدير به.

والوقت هنا أصبح أصلًا اقتصاديًا بحد ذاته.

إذا أمكن إصلاح جزء من خط الشرق–الغرب خلال أسبوع، فإن كمية كبيرة من علاوة الخوف التي يضيفها السوق إلى السعر قد تختفي. أما إذا استمر العطل لعدة أسابيع بالتزامن مع اضطراب هرمز وباب المندب، فإن السوق لن يتعامل معه باعتباره حادثًا مؤقتًا، وإنما باعتباره نقصًا هيكليًا في الإمدادات.

وهذا هو الفارق بين أزمة يمكن احتواؤها وأزمة يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.

في السيناريو الأول، أي الاحتواء السريع خلال أيام إلى أسبوعين، يتم إصلاح جزء كبير من البنية التحتية، وتستمر حركة الناقلات، ويتم استخدام المسارات البديلة، ويجري توظيف SUMED والموانئ المصرية لاستيعاب جزء من التدفقات. في هذه الحالة يمكن أن يبقى النفط في نطاق مرتفع، لكنه يظل قابلًا للإدارة، وقد يدور برنت تحليليًا حول نطاق 100 إلى 115 دولارًا للبرميل، مع تراجع تدريجي في علاوة الخوف إذا عادت الصادرات إلى الانتظام.

في السيناريو الثاني، أي أزمة ممتدة لعدة أسابيع، يستمر تعطّل جزء من البنية التحتية السعودية، بينما تظل حركة هرمز وباب المندب تحت الضغط، وتزداد أسعار الشحن والتأمين. هنا يمكن أن يدخل برنت في نطاق 110 إلى 130 دولارًا أو يتجاوز ذلك مؤقتًا، لكن ارتفاع السعر لن يكون بالضرورة خبرًا جيدًا للسعودية إذا تزامن مع انخفاض كبير في الكميات القابلة للتصدير.

في هذه الحالة يصبح النجاح السعودي مقاسًا بعدد البراميل التي تصل فعلًا إلى العملاء، وليس بسعر النفط الذي يظهر على شاشات التداول.

أما السيناريو الثالث، وهو الصدمة الإقليمية الشاملة التي تمتد لأسابيع أو أشهر، فيحدث إذا اجتمع تعطل البنية التحتية السعودية مع إغلاق فعلي أو شبه فعلي لمضيق هرمز واستمرار القيود على باب المندب. عندها يمكن أن يدخل النفط في نطاق 130 إلى 160 دولارًا أو أكثر في بعض مراحل الصدمة.

لكن عند هذه المستويات تتغير طبيعة الأزمة.

لن تصبح المشكلة مجرد ارتفاع في أرباح المنتجين، وإنما ارتفاعًا في تكاليف النقل والكهرباء والصناعة والغذاء والطيران، ثم ارتفاعًا في التضخم وأسعار الفائدة، ثم تراجعًا في الاستثمار والاستهلاك، وصولًا إلى خطر الركود العالمي.

أي أن ارتفاع النفط فوق مستوى معين قد يبدأ في تدمير الطلب الذي يشتري النفط نفسه.

وهذا هو السيناريو الذي يجب على السعودية أن تعمل على منعه، حتى لو كان ارتفاع الأسعار في الأجل القصير يبدو مفيدًا.

السوق نفسها بدأت تعكس هذه الحساسية. فقد ارتفع برنت في 14 سبتمبر إلى نحو 107.8 دولار للبرميل، بينما تجاوزت مكاسبه الأسبوعية السابقة 9%، في وقت تجاوز فيه خام غرب تكساس 102 دولار. لكن استمرار الأسعار المرتفعة مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يخلق ضغوطًا تضخمية عالمية قد تنتقل سريعًا إلى السياسة النقدية.

وهنا تدخل البنوك المركزية في قلب أزمة النفط.

إذا ارتفع النفط بصورة مؤقتة ثم استقرت الإمدادات، فقد تستطيع البنوك المركزية التعامل معه باعتباره صدمة مؤقتة.

أما إذا أصبح النفط مرتفعًا لعدة أشهر، فإن التضخم الأساسي يبدأ في التعرض لضغوط أقوى، وتصبح البنوك المركزية أمام خيار صعب: إما تشديد السياسة النقدية لمحاربة التضخم، أو السماح للتضخم بالاستمرار مع خطر فقدان الثقة.

وفي الولايات المتحدة، زادت أسعار الطاقة بالفعل من تعقيد مسار السياسة النقدية، مع توقعات السوق بشأن تحرك مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال سبتمبر.

وبالنسبة للسعودية، فإن هذه الحلقة المالية لا تقل أهمية عن النفط نفسه.

فالمملكة لديها احتياطيات وقدرة مالية تمنحها مساحة مهمة لامتصاص الصدمة، لكن المالية العامة ليست بلا حدود. ويقدر صندوق النقد الدولي رصيد المالية العامة السعودي في 2026 عند عجز يقارب 5.8% من الناتج المحلي، بينما يبلغ الدين العام نحو 31.8% من الناتج، مع احتياطيات أجنبية تعادل نحو 13.9 شهرًا من الواردات.

وهذا يعني أن السعودية لا تحتاج إلى الدخول في حالة تقشف مفاجئة، لكنها تحتاج إلى إدارة رأس المال الاستراتيجي بحذر شديد.

الأولوية يجب أن تكون لحماية السيولة، واستقرار النظام المصرفي، والحفاظ على قدرة الريال على الارتباط بالدولار، وتمويل الواردات الأساسية، وليس محاولة الدفاع عن أسعار الأسهم بأي تكلفة.

أما صندوق الاستثمارات العامة، فيمكن أن يلعب دورًا أكثر استراتيجية خلال الأزمة من خلال اقتناص أصول ذات قيمة طويلة الأجل في الموانئ، والتخزين، والشحن، واللوجستيات، والتأمين، والطاقة، والأمن السيبراني، بدلًا من توجيه الموارد بصورة مباشرة إلى دعم أسعار الأصول المالية.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار رؤية 2030 لا يعني بالضرورة استمرار كل الإنفاق بالمعدل نفسه. ففي حالة أزمة ممتدة، سيكون من المنطقي إعادة ترتيب الأولويات نحو الطاقة والمياه والغذاء واللوجستيات والتعدين والصناعة والبنية التحتية والأمن السيبراني، مع تأجيل بعض المشروعات الأقل إلحاحًا إذا تطلب الأمر ذلك.

والأهم من كل ذلك هو الشفافية.

في الأزمات النفطية، يمكن أن تكون المعلومة نفسها أداة اقتصادية.

فالسوق تحتاج يوميًا إلى معرفة حجم الإنتاج، وحجم الصادرات، وحالة خط الشرق–الغرب، ومستويات المخزون، وحجم الشحنات التي تم تحميلها، والطاقة المتاحة عبر المسارات البديلة، وتطور تكاليف الشحن والتأمين.

كلما كانت المعلومات أكثر وضوحًا، انخفضت مساحة المضاربة، وتراجعت علاوة الخوف.

ويمكن للسعودية أن تنشئ نشرة تشغيلية يومية للأسواق خلال الأزمة، تكون بمثابة «لوحة قيادة» للطاقة السعودية.

وهناك عشرة مؤشرات يجب مراقبتها يوميًا:

معدل تشغيل خط الشرق–الغرب، حجم الصادرات السعودية، مخزونات ينبع، تدفقات سوميد وسيدي كرير، عدد الناقلات المتاحة، تكاليف التأمين، أسعار الشحن، الفارق بين الأسعار الفورية والعقود المستقبلية، سيولة النظام المصرفي، وعدد البراميل السعودية التي وصلت فعليًا إلى العملاء.

المؤشر الأخير هو الأهم.

لأن برميل النفط الذي تم إنتاجه لكنه لم يغادر الميناء ليس مساويًا اقتصاديًا لبرميل تم تسليمه إلى المشتري.

ومن هنا يجب أن تتغير طريقة قياس نجاح السياسة النفطية السعودية خلال الأزمة.

ليس الهدف أن يكون برنت عند أعلى سعر ممكن.

وليس الهدف أن تنتج المملكة بأقصى طاقة ممكنة إذا لم تستطع نقل الإنتاج.

الهدف هو تعظيم القيمة الصافية للبراميل التي تصل إلى السوق.

ولهذا فإن أفضل سيناريو للسعودية ليس سعر نفط عند 150 دولارًا، وإنما سعر مرتفع ومستقر في الوقت الذي تستمر فيه الصادرات، وتنخفض فيه علاوة المخاطر، وتظل تكلفة النقل والتأمين تحت السيطرة.

يمكن تسميتها «منطقة السعر الذهبي»: سعر مرتفع بما يكفي لدعم الإيرادات والاستثمار، ولكنه ليس مرتفعًا إلى درجة تدمير الطلب العالمي أو دفع الاقتصادات الكبرى إلى الركود.

وبشكل تحليلي، يمكن أن يكون نطاق 100 إلى 115 دولارًا للبرميل أكثر ملاءمة للسعودية من سعر يتجاوز 150 دولارًا، إذا كان الفارق بين المستويين ناتجًا عن انهيار فعلي في الإمدادات.

لأن السعودية تستفيد من ارتفاع السعر، لكنها تستفيد بدرجة أكبر من استقرار السوق واستمرار الطلب على النفط السعودي.

ولهذا يجب ألا تنظر المملكة إلى الأزمة الحالية باعتبارها حادثًا مؤقتًا فقط، بل باعتبارها اختبارًا للنظام الكامل الذي تعتمد عليه صادراتها.

والحل الحقيقي لا يتمثل في بناء خط أنابيب واحد إضافي، وإنما في بناء منظومة لا يستطيع تعطل أي طريق منفرد أن يشلها.

وقد بدأت بالفعل مناقشات حول إمكانية زيادة طاقة خط الشرق–الغرب بنحو مليون إلى مليوني برميل يوميًا، وهو اتجاه يمكن أن يتحول إلى جزء من استراتيجية أوسع لزيادة مرونة تصدير النفط السعودي وربطها باحتياجات دول المنطقة.

لكن المطلوب على المدى الأطول هو أكثر من ذلك: موانئ متعددة، خطوط أنابيب متعددة، مخزونات موزعة جغرافيًا، أسطول ناقلات متاح للطوارئ، ترتيبات تأمين خاصة، شراكات مع مصر ودول الخليج، واتفاقات دولية لحماية طرق الطاقة.

وهنا يمكن أن تتحول مصر من مجرد دولة عبور إلى شريك استراتيجي في أمن الطاقة الإقليمي.

فوجود السعودية كمصدر رئيسي، ومصر كحلقة لوجستية بين البحر الأحمر والمتوسط، ودول الخليج كمصادر إضافية، والمستهلكين الآسيويين والأوروبيين كطرف في منظومة الأمن البحري، يمكن أن يخلق شبكة أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

كما أن الدول المستهلكة نفسها لديها مصلحة مباشرة في ذلك.

فالولايات المتحدة وأوروبا وآسيا لا تحتاج فقط إلى النفط السعودي؛ إنها تحتاج إلى أن يظل طريق النفط مفتوحًا.

وهنا يصبح أمن الطاقة مسؤولية مشتركة بين المنتج والمستهلك، وليس مسؤولية السعودية وحدها.

وفي غضون ثلاثة أشهر، يجب أن تتحول الإجراءات الطارئة إلى سياسة دائمة. وخلال عام، ينبغي أن يكون الهدف هو الوصول إلى نظام يستطيع تحمل فقدان أي طريق منفرد دون أن تتوقف الصادرات السعودية.

لأن الدرس الحقيقي من أزمة 2026 ليس أن السعودية تحتاج إلى إنتاج نفطي أكبر فقط.

بل أنها تحتاج إلى مرونة أكبر في إيصال إنتاجها إلى العالم.

السعودية في 2026 لا تخوض معركة مع سعر النفط، وإنما مع طريق البرميل، ومع الزمن، ومع الثقة.

والهدف النهائي ليس أن يصل النفط إلى أعلى سعر ممكن، وإنما أن تحقق المملكة المعادلة الأصعب:

سعر نفط مرتفع، صادرات مستقرة، تكلفة لوجستية تحت السيطرة، مخزونات لا تستنزف، علاوة خوف تتراجع، ونظام مالي لم تنتقل إليه عدوى الأزمة.

فالنفط الموجود تحت الأرض هو الثروة، لكن النفط الذي يصل إلى المشتري هو الإيراد.

وفي عالم تتعرض فيه هرمز وباب المندب وخطوط الأنابيب والموانئ لضغوط متزامنة، لم يعد امتلاك النفط وحده كافيًا.

لا طريق واحدًا يكفي، ولا سعرًا مرتفعًا يعوض برميلًا لا يستطيع الوصول إلى السوق.

د. محمد سامح

استاذ مساعد التمويل والاستثمار ووكيل البحوث والعلاقات الدولية كليه ادارة واقتصاد ونظم المعلومات السابق جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا