الإثنين 7 سبتمبر 2026 09:27 مـ 24 ربيع أول 1448 هـ
أسواق نيوز
رئيس مجلس الإدارة معتصم ابراهيم رئيس التحرير أشرف سعيد
×

عندما ترتفع تكلفة المال وتتراجع الأسهم: هل يقترب الاقتصاد العالمي ومصر من منطقة الخطر؟

الإثنين 7 سبتمبر 2026 05:11 مـ 24 ربيع أول 1448 هـ
د. محمد سامح
د. محمد سامح

لم تعد تحركات الأسواق العالمية خلال الأيام الأخيرة مجرد تقلبات عابرة في أسعار الأسهم والسندات، فالصورة الأكثر أهمية تظهر عند قراءة الأسواق كمنظومة واحدة؛ ارتفاع عوائد السندات الأمريكية إلى مستويات تقترب من 4.8%، بالتزامن مع موجة تراجع في أسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية، وعودة أسعار النفط إلى ما يقارب 95 دولارًا للبرميل، وارتفاع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.3%، كلها مؤشرات تشير إلى أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث ترتفع تكلفة رأس المال في الوقت الذي بدأت فيه توقعات النمو والأرباح تواجه ضغوطًا متزايدة.

وهنا تكمن النقطة الأكثر خطورة؛ فارتفاع عوائد السندات ليس بالضرورة خبرًا سيئًا إذا كان مدفوعًا بنمو اقتصادي قوي، لأن المستثمرين وقتها يتوقعون أرباحًا أعلى ويقبلون على الأسهم رغم ارتفاع تكلفة التمويل، أما عندما ترتفع العوائد في الوقت نفسه الذي تتراجع فيه الأسهم، فإن الرسالة تصبح مختلفة تمامًا، إذ يجد المستثمر نفسه أمام معادلة تقول إن العائد على الأصول الآمنة يرتفع بينما تتراجع جاذبية الأصول الخطرة، فيبدأ رأس المال في إعادة التموضع، وترتفع تكلفة الاقتراض على الشركات والحكومات، وتصبح قرارات الاستثمار والتوسع أكثر صعوبة، وهو ما يمكن أن يتحول تدريجيًا من مشكلة في الأسواق المالية إلى تباطؤ فعلي في الاقتصاد.

ولا يعني ذلك أن العالم دخل بالفعل في ركود، فصندوق النقد الدولي ما زال يتوقع نمو الاقتصاد العالمي بنحو 3% خلال 2026 و3.4% في 2027، بينما كان البنك الدولي أكثر تحفظًا ويتوقع 2.5% في 2026 و2.8% في 2027، لكن الفارق بين هذه التقديرات وبين معدلات النمو السابقة، إلى جانب خفض توقعات النمو لعدد كبير من الاقتصادات، يؤكد أن المخاطر أصبحت تميل بصورة أكبر إلى الجانب السلبي.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع النفط، لأن ارتفاعه إلى حدود 95 دولارًا لم يعد مجرد مشكلة لأسواق الطاقة، بل أصبح عاملًا يمكن أن يعيد إشعال التضخم عالميًا، خصوصًا في ظل التوترات الجيوسياسية ومخاطر اضطراب الإمدادات، وهو ما قد يجبر البنوك المركزية على الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، حتى في الوقت الذي يبدأ فيه النمو في التباطؤ. وفي الولايات المتحدة، بلغ التضخم وفق مؤشر أسعار المستهلكين 3.4% في يوليو، بينما وصل التضخم الأساسي وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي إلى نحو 3.3%، وهي مستويات تجعل خفض الفائدة السريع أكثر صعوبة.

أما الذهب، فلا ينبغي قراءته باعتباره دليلًا منفردًا على اندلاع أزمة مالية، خصوصًا أنه جاء إلى هذه المستويات بعد تصحيح قوي من قممه السابقة، ثم بدأ في الارتداد مع تراجع الدولار والعوائد. وبالتالي فإن حركته الحالية تعكس مزيجًا من التحوط الجيوسياسي والطلب الاستثماري وتوقعات السياسة النقدية، لكنها تظل أقل أهمية من إشارات السندات والنفط والدولار عند تقييم الخطر الاقتصادي العالمي.

بالنسبة إلى مصر، فإن المشكلة لا تكمن في ارتفاع مؤشر واحد، وإنما في احتمال اجتماع عدة ضغوط في اللحظة نفسها؛ ارتفاع النفط يعني زيادة فاتورة الطاقة والطلب على الدولار، وارتفاع العوائد الأمريكية يعني ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا وزيادة جاذبية الدولار، بينما يؤدي تباطؤ الاقتصاد العالمي إلى الضغط على التجارة والاستثمار والسياحة والإيرادات الدولارية، وإذا أضيف إلى ذلك ارتفاع التضخم المستورد فإن البنك المركزي المصري يجد نفسه أمام مساحة محدودة لخفض أسعار الفائدة، في حين تزداد تكلفة خدمة الدين المحلي.

ومع ذلك، فإن مقارنة الوضع الحالي بأزمة 2023 يجب أن تكون حذرة، فمصر تدخل هذه المرحلة وهي في وضع دفاعي أفضل نسبيًا؛ فقد بلغت الاحتياطيات الدولية نحو 56.3 مليار دولار في نهاية يوليو 2026، كما ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج إلى نحو 43.1 مليار دولار خلال أول أحد عشر شهرًا من السنة المالية 2025/2026، بزيادة تجاوزت 31%، وهي أرقام تمثل دعامة مهمة للاقتصاد في مواجهة الصدمات الخارجية.

لكن هذه الدعامة لا تعني غياب الخطر، لأن خدمة الدين الخارجي المقدرة بنحو 29.2 مليار دولار خلال 2026 تجعل استمرار تدفقات النقد الأجنبي أمرًا بالغ الأهمية، ولذلك فإن الخطر الحقيقي على الجنيه لا يأتي من الدولار وحده، بل من اجتماع ارتفاع النفط، وارتفاع تكلفة التمويل العالمي، وتراجع تدفقات الاستثمار، وتباطؤ النمو العالمي في وقت واحد.

السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الراهن ليس تكرار أزمة 2023 بصورة فورية، وإنما مرحلة من الضغوط المتدرجة على الجنيه والتضخم والفائدة والدين، خصوصًا إذا ظل النفط في نطاق 90 إلى 105 دولارات وظلت عوائد السندات الأمريكية قرب 5% دون حدوث ركود عالمي حاد. أما إذا تجاوز النفط 105 إلى 110 دولارات لفترة ممتدة، وصعد العائد على السندات الأمريكية فوق 5%، وتحوّل تراجع الأسهم إلى موجة هبوط عالمية واسعة مصحوبة بخفض جديد لتوقعات النمو، فسوف تنتقل المسألة من مجرد تقلبات مالية إلى أزمة تمويل ونمو أكثر وضوحًا، وعندها سترتفع الضغوط على الجنيه والاحتياطيات والدين المصري بصورة ملموسة.

المشهد إذن لا يقول إن أزمة 2023 تعود الآن، لكنه يرسل إشارة تستحق الانتباه؛ ارتفاع تكلفة المال في الوقت الذي تبدأ فيه شهية المستثمرين تجاه المخاطرة في التراجع هو أحد أخطر المؤشرات التي يجب مراقبتها خلال الفترة المقبلة. وإذا اجتمع ذلك مع نفط مرتفع وتضخم عنيد ودولار قوي، فقد يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام مزيج صعب من تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار، بينما ستكون مصر من الاقتصادات التي تراقب هذه التطورات بدقة، لأن هامش المناورة لديها سيتحدد بقدرتها على الحفاظ على تدفقات الدولار والسيطرة على فاتورة الطاقة وإدارة استحقاقات الدين دون السماح بتحول الضغوط الخارجية إلى أزمة ثقة داخلية.

د. محمد سامح

استاذ مساعد التمويل والاستثمار ووكيل البحوث والعلاقات الدولية كليه ادارة واقتصاد ونظم المعلومات السابق جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا