الجمعة 21 أغسطس 2026 10:19 مـ 7 ربيع أول 1448 هـ
أسواق نيوز
رئيس مجلس الإدارة معتصم ابراهيم رئيس التحرير أشرف سعيد
×

اختبار الـ100 يوم: الحرب والنفط والدين يضعون الاقتصاد المصري أمام أصعب معادلة

الجمعة 21 أغسطس 2026 07:05 مـ 7 ربيع أول 1448 هـ
د. محمد سامح
د. محمد سامح

لم يعد الحديث عن المخاطر التي يمكن أن تواجه الاقتصاد المصري في حالة اندلاع حرب إقليمية شاملة مجرد تمرين نظري. فمصر تقع في قلب منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة والطاقة العالمية، وأي اتساع كبير للصراع يمكن أن يحول اضطرابًا إقليميًا إلى صدمة اقتصادية تمتد آثارها سريعًا إلى أسعار الطاقة، وحركة الملاحة، والسياحة، وسوق الصرف، والموازنة العامة.

لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في عامل واحد. فالسيناريو الأكثر صعوبة على مصر هو أن تجتمع أربع صدمات في وقت واحد: تعطل الملاحة، وارتفاع قياسي في أسعار النفط والغاز، وتراجع مصادر النقد الأجنبي، وتزامن ذلك مع استحقاقات كبيرة لخدمة الدين الخارجي خلال الربع الأخير من عام 2026.

عندها لن تكون المسألة مجرد ارتفاع في الأسعار، وإنما اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد على توفير السيولة الدولارية اللازمة لتلبية احتياجاته الأساسية والوفاء بالتزاماته الخارجية.

والسؤال الأهم هنا ليس فقط: ماذا سيحدث إذا وقعت هذه الصدمة؟

بل: ماذا يجب أن تفعل الدولة المصرية من الآن، خلال المائة يوم القادمة، حتى تدخل الأزمة المحتملة وهي تمتلك أكبر قدر ممكن من أدوات الدفاع؟

---

قناة السويس.. بداية الصدمة

تمثل قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، ولذلك فإن توقف الملاحة أو انخفاضها بصورة حادة سيكون أكثر من مجرد خسارة لإيرادات العبور.

فكل سفينة لا تمر بالقناة تعني إيرادًا أقل من العملة الأجنبية، بينما استمرار تحويل السفن إلى طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح يعني أيضًا اضطرابًا في حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

وهنا تظهر المفارقة الخطيرة؛ ففي الوقت الذي تنخفض فيه إيرادات قناة السويس، ستحتاج مصر إلى المزيد من الدولارات لاستيراد الطاقة والسلع الأساسية وسداد الالتزامات الخارجية.

أي أن الأزمة تضرب الاقتصاد من جهتين في اللحظة نفسها.

الدولارات الداخلة تتراجع، بينما الاحتياجات الدولارية ترتفع.

وهذه تحديدًا هي المعادلة التي يمكن أن تجعل أزمة الملاحة تتحول إلى أزمة ميزان مدفوعات.

ولذلك فإن حماية قناة السويس لا ينبغي أن تقتصر على الإجراءات الأمنية والعسكرية المرتبطة بالملاحة، وإنما يجب أن تكون هناك منذ الآن خطة اقتصادية بديلة للتعامل مع انخفاض إيرادات القناة، تشمل تعظيم الإيرادات من الخدمات اللوجستية والموانئ والمناطق الاقتصادية المرتبطة بالقناة، وتطوير مصادر بديلة للنقد الأجنبي تستطيع تعويض جزء من الفاقد إذا تعطلت الملاحة.

---

النفط.. الصدمة التي لا تستطيع مصر عزل نفسها عنها

إذا قفز سعر النفط إلى 120 أو 150 دولارًا للبرميل، فإن التأثير لن يتوقف عند أسعار البنزين والسولار.

الطاقة تدخل في تكلفة كل شيء تقريبًا: النقل، الكهرباء، الصناعة، الزراعة، الأسمدة، الخدمات، والسلع المستوردة.

ومصر ليست دولة نفطية تستطيع ببساطة تعويض ارتفاع الأسعار من خلال زيادة عائداتها النفطية. بل إن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية يمكن أن يتحول إلى عبء إضافي على فاتورة الاستيراد وعلى الموازنة العامة.

ويزداد الأمر حساسية مع احتياجات مصر من الغاز والطاقة، خصوصًا في ظل الضغوط التي شهدها إنتاج الغاز المحلي خلال السنوات الماضية.

وبالتالي فإن ارتفاع النفط والغاز عالميًا في ظل حرب إقليمية واسعة قد يؤدي إلى انتقال الصدمة من سوق الطاقة إلى كل القطاعات الاقتصادية تقريبًا.

ستجد الحكومة نفسها في هذه الحالة أمام خيار بالغ الصعوبة.

إذا رفعت أسعار الوقود بما يتناسب مع ارتفاع التكلفة العالمية، فسوف تحد من الضغط على الموازنة، لكنها ستدفع التضخم إلى أعلى، لأن تكلفة النقل والإنتاج ستزداد.

أما إذا امتصت الدولة الزيادة من خلال الدعم، فسوف تحمي المستهلك جزئيًا، لكنها ستتحمل عبئًا إضافيًا على الموازنة في وقت تتراجع فيه بعض مصادر الإيرادات وتزداد فيه احتياجات الإنفاق.

وهناك خيار ثالث يتمثل في رفع الأسعار تدريجيًا مع توسيع برامج الحماية الاجتماعية، وهو الخيار الأكثر قابلية للاستمرار، لكنه لن يمنع انتقال جزء من الصدمة إلى المواطنين.

وهنا تظهر المشكلة الأساسية:

أي قرار حكومي ستكون له تكلفة.

رفع الأسعار له تكلفة اجتماعية وتضخمية، وعدم رفعها له تكلفة مالية.

لذلك فإن الحل لا يجب أن يكون انتظار ارتفاع النفط ثم اتخاذ قرار سريع، وإنما إعداد آلية طوارئ للطاقة من الآن، تحدد مسبقًا كيفية التعامل مع مستويات مختلفة للأسعار، وتتيح للدولة استخدام مزيج من التحوط، والعقود متوسطة الأجل، وترشيد الاستهلاك، وزيادة الإنتاج المحلي، والدعم المؤقت والموجه.

كما يجب تسريع أي إجراءات يمكن أن تزيد إنتاج الغاز المحلي، وتقليل فاقد الطاقة، والتوسع في مصادر الطاقة الأقل تعرضًا لتقلبات أسعار النفط والغاز.

فكل دولار يتم توفيره من فاتورة الطاقة أثناء الأزمة يمكن أن يستخدم في تمويل الغذاء أو الدواء أو خدمة الدين.

---

الدولار.. المؤشر الذي سيكشف حجم الصدمة

ربما يكون سعر صرف الجنيه هو المؤشر الذي سيكشف حجم الصدمة بصورة أسرع من غيره.

في ظل الظروف الطبيعية، تحتاج مصر إلى الدولار لتمويل الواردات وخدمة الدين الخارجي.

لكن في سيناريو الحرب الشاملة ستضاف احتياجات جديدة، بينما قد تتراجع مصادر مهمة للنقد الأجنبي.

قناة السويس قد تتراجع.

السياحة قد تتضرر.

تكلفة الطاقة ترتفع.

الشحن والتأمين يرتفعان.

وفي الوقت نفسه تستمر الالتزامات الخارجية في موعدها.

وهنا يصبح الضغط على الجنيه منطقيًا اقتصاديًا، حتى إذا لم يكن هناك قرار مباشر بخفض قيمته.

وكلما ارتفعت تكلفة الدولار، ارتفعت تكلفة الواردات، وبالتالي يرتفع التضخم من جديد.

ولهذا يجب أن يكون الحفاظ على السيولة الدولارية هو الهدف الأول للسياسة الاقتصادية في حالة الطوارئ، وليس الدفاع بأي ثمن عن مستوى محدد لسعر الصرف.

فالاحتياطي النقدي يجب ألا يُستنزف في معركة مفتوحة للحفاظ على سعر صرف ثابت، وإنما يستخدم لحماية الاحتياجات الأساسية وتمويل الالتزامات الحيوية ومنع حدوث اضطراب حاد في سوق النقد الأجنبي.

---

أول إجراء: إنشاء غرفة عمليات اقتصادية للمائة يوم

إذا كان السيناريو المحتمل يمكن أن يتغير خلال ساعات، فإن إدارة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على اجتماعات دورية أو قرارات متفرقة.

يجب إنشاء غرفة عمليات اقتصادية للطوارئ تضم البنك المركزي، ووزارة المالية، ووزارة البترول، ووزارة التموين، وهيئة قناة السويس، ووزارة السياحة، والجهات المسؤولة عن التجارة والاستثمار.

وتعمل هذه الغرفة على أساس بيانات يومية، وتراقب خمسة مؤشرات رئيسية:

الاحتياطي الأجنبي، التدفقات الدولارية، استحقاقات الدين، فاتورة الطاقة، وحركة الملاحة.

ويجب أن تكون لديها ثلاثة سيناريوهات جاهزة مسبقًا:

نفط عند 100 دولار، ونفط عند 120 دولارًا، ونفط عند 150 دولارًا أو أكثر.

ولا تنتظر الدولة وقوع الأزمة حتى تحدد ماذا ستفعل عند كل مستوى.

---

أكتوبر ونوفمبر وديسمبر.. أخطر ثلاثة أشهر؟

تكمن أهمية الربع الأخير من عام 2026 في أنه يأتي في وقت تتقاطع فيه احتياجات مصر المتزايدة من النقد الأجنبي مع أعباء خدمة الدين الخارجي.

ووفق أحدث تقديرات البنك المركزي المصري، تبلغ خدمة الدين الخارجي المستحقة خلال عام 2026 نحو 29.18 مليار دولار، منها حوالي 23.79 مليار دولار لأقساط أصل الدين و5.4 مليار دولار فوائد؛ أي أن أقساط الأصل وحدها تمثل نحو 81.5% من إجمالي خدمة الدين المقدرة للعام.

وتزداد حساسية هذه الأرقام عند النظر إلى حجم الدين الخارجي نفسه، الذي بلغ نحو 164.78 مليار دولار بنهاية مارس 2026.

لكن من المهم التأكيد أن مبلغ 29.18 مليار دولار يمثل إجمالي خدمة الدين المقدرة لعام 2026، وليس معنى ذلك أن هذا المبلغ كله مستحق خلال أكتوبر ونوفمبر وديسمبر.

الخطورة الحقيقية في الربع الأخير تتمثل في احتمال تزامن الاستحقاقات الفعلية خلال تلك الأشهر مع انخفاض التدفقات الدولارية وارتفاع فاتورة الطاقة وتراجع إيرادات السياحة وقناة السويس.

وهنا تصبح الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام اختبارًا للسيولة الدولارية وليس مجرد اختبار للقدرة على سداد الدين.

---

ثاني إجراء: إعادة ترتيب خريطة الدين قبل الأزمة

هذه نقطة يجب أن تبدأ فورًا.

إذا كانت خدمة الدين الخارجي السنوية تقترب من 29 مليار دولار، فإن انتظار وصول أكتوبر ونوفمبر وديسمبر ثم البحث عن السيولة سيكون خطأ استراتيجيًا.

يجب من الآن العمل على إعادة توزيع الاستحقاقات قدر الإمكان من خلال:

إطالة آجال بعض القروض.

إعادة تمويل بعض الاستحقاقات قصيرة الأجل.

التفاوض مع المؤسسات الدولية والدائنين على ترتيبات أكثر مرونة.

استبدال بعض الالتزامات القصيرة بتمويل طويل الأجل.

والبحث عن عمليات مبادلة ديون يمكن أن تخفف الضغط على التدفقات الدولارية.

الهدف ليس إعلان وجود أزمة ديون، وإنما منع تحول أزمة خارجية مؤقتة إلى أزمة سيولة بسبب تركز الاستحقاقات في فترة زمنية قصيرة.

كما ينبغي تكوين احتياطي سيولة واضح ومحدد لخدمة الدين القريب، بحيث لا تضطر الدولة إلى تمويل كل التزاماتها من السوق في أسوأ لحظة ممكنة.

---

ثالث إجراء: حماية الاحتياطي وعدم استنزافه

بلغ صافي الاحتياطيات الدولية نحو 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، وهو مستوى يوفر لمصر هامش أمان مهمًا.

لكن الاحتياطي ليس موردًا لا نهائيًا.

وفي حالة الحرب، سيكون من الخطأ استخدامه بلا حدود للحفاظ على سعر صرف محدد أو تمويل واردات يمكن تأجيلها.

يجب تقسيم الاحتياطي عمليًا إلى طبقات من الحماية:

جزء لتأمين الغذاء والدواء والطاقة.

جزء لخدمة الالتزامات الخارجية.

جزء للتدخل عند حدوث اضطراب حاد في سوق الصرف.

وجزء يمثل خط دفاع أخيرًا لا يتم استخدامه إلا في حالة الضرورة القصوى.

وهذا يجعل إدارة الاحتياطي أكثر أهمية من مجرد حجم الاحتياطي نفسه.

---

رابع إجراء: إدارة الواردات دون العودة إلى الفوضى

في حالة الصدمة، يجب أن تنتقل الدولة إلى نظام واضح لإدارة الطلب على الدولار.

ليس من خلال قيود عشوائية، وإنما عبر تصنيف الواردات إلى ثلاث مجموعات:

سلع أساسية لا يمكن تأجيلها.

سلع مرتبطة بالإنتاج ويمكن تنظيم توقيت استيرادها.

سلع كمالية يمكن تأجيلها.

الغذاء والدواء والوقود ومستلزمات الإنتاج الأساسية والمدخلات الزراعية يجب أن تكون في المقدمة.

أما السلع التي يمكن تأجيل استيرادها دون التأثير على الإنتاج أو الأمن الغذائي أو الخدمات الأساسية، فيجب ألا تستهلك الدولار في الوقت الذي تصبح فيه كل وحدة من العملة الأجنبية أكثر أهمية.

---

خامس إجراء: تأمين الطاقة قبل الأزمة

يجب ألا تنتظر الدولة ارتفاع النفط إلى 150 دولارًا حتى تبدأ في البحث عن مصادر بديلة.

من الآن يجب العمل على:

تأمين عقود متوسطة الأجل للطاقة.

تنويع مصادر الاستيراد.

زيادة المخزون الاستراتيجي.

تسريع إنتاج الغاز المحلي.

خفض استهلاك الطاقة في القطاعات الحكومية والصناعية.

التوسع في الطاقة المتجددة.

وإذا كانت هناك فرصة للتحوط من ارتفاع أسعار النفط أو الغاز، فينبغي دراسة استخدامها بصورة محسوبة.

فالتحوط ليس رهانًا على اتجاه الأسعار، وإنما أداة لتقليل مخاطر الصدمات المفاجئة.

---

سادس إجراء: الانتقال من دعم السلعة إلى حماية المواطن

في حالة ارتفاع أسعار الطاقة، فإن استمرار الدعم الواسع للسلعة قد يصبح مكلفًا للغاية.

وفي المقابل فإن رفع الأسعار بصورة مفاجئة قد يؤدي إلى موجة تضخمية واجتماعية.

الحل الأكثر كفاءة هو الانتقال التدريجي إلى الدعم الموجه.

أي أن تتحمل الدولة جزءًا من الصدمة عندما تكون مؤقتة، لكن إذا أصبحت الأزمة طويلة، يتم توجيه الموارد بصورة أكبر إلى الفئات الأكثر احتياجًا بدلًا من دعم الاستهلاك للجميع.

ويجب أن تكون قواعد هذا النظام جاهزة قبل الأزمة، وليس بعد ارتفاع الأسعار.

---

سابع إجراء: حماية الغذاء والدواء

إذا توقفت الملاحة أو تعطلت طرق التجارة، فقد لا تكون المشكلة في ارتفاع السعر فقط.

قد تصبح المشكلة هي توافر السلعة نفسها.

لذلك يجب رفع المخزون الاستراتيجي من القمح والسلع الأساسية والأدوية ومدخلات الإنتاج الحيوية، وتأمين مصادر بديلة للاستيراد، وعدم الاعتماد المفرط على مسار تجاري واحد.

كما يجب إعطاء الأولوية للسلع التي لا يمكن تعويضها محليًا بسرعة.

---

ثامن إجراء: تحويلات المصريين بالخارج.. خط الدفاع الأكثر أهمية

تمثل تحويلات المصريين أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للاقتصاد المصري، وقد بلغت مستويات قياسية خلال الفترة الأخيرة.

ولهذا يجب التعامل معها كأصل استراتيجي وليس مجرد تدفق مالي.

يمكن تقديم أدوات ادخار دولارية جذابة للمصريين بالخارج، وتسهيلات مصرفية، ومنتجات استثمارية آمنة، وحوافز للتحويل من خلال القنوات الرسمية.

الهدف هو أن يكون النظام المصرفي المصري القناة الطبيعية والأكثر جاذبية لتحويل أموال المصريين بالخارج.

---

تاسع إجراء: حماية السياحة قبل أن تتضرر

في حالة الحرب، يمكن أن تتراجع السياحة بسرعة حتى إذا لم تكن مصر نفسها ساحة للقتال.

لذلك يجب إعداد خطة طوارئ سياحية تشمل شركات الطيران ومنظمي الرحلات والأسواق المستهدفة، مع التركيز على الأسواق الأقل حساسية للأحداث الإقليمية.

كما يجب تكثيف الرسائل الدولية المتعلقة بأمن المقاصد السياحية المصرية.

فالحفاظ على السائح الموجود أصلًا أرخص بكثير من محاولة تعويضه بعد توقف التدفقات.

---

عاشر إجراء: زيادة مصادر الدولار بدلًا من الاكتفاء بإدارة نقصه

هذه ربما تكون أهم نقطة على المدى المتوسط.

إذا كانت الأزمة ستؤدي إلى انخفاض إيرادات قناة السويس والسياحة وارتفاع فاتورة الطاقة، فإن الاقتصاد يحتاج إلى مصادر إضافية للنقد الأجنبي.

لذلك يجب إعطاء الأولوية خلال المائة يوم للصناعات والأنشطة التي تستطيع توليد الدولار بسرعة.

التصدير يجب أن يصبح أولوية استثنائية.

والاستثمار الأجنبي يجب ألا يقاس فقط بحجم الأموال التي يدخل بها المستثمر، وإنما أيضًا بحجم الدولار الذي يستطيع المشروع توليده من خلال التصدير أو إحلال الواردات.

المطلوب ليس مجرد استثمار أجنبي، وإنما استثمار يولد عملة أجنبية بصورة مستمرة.

---

الحادي عشر: مراجعة الإنفاق الحكومي فورًا

إذا وقعت الأزمة، فلن يكون من المنطقي أن تستمر الدولة في تنفيذ كل الإنفاق بنفس الأولويات التي كانت مناسبة في الظروف الطبيعية.

لذلك يجب إجراء مراجعة شاملة للمشروعات والإنفاق الحكومي وتصنيفها إلى:

مشروعات استراتيجية لا يمكن تأجيلها.

مشروعات إنتاجية ضرورية.

مشروعات يمكن تأجيلها.

ومشروعات لا تمثل أولوية في حالة الطوارئ.

أي مشروع لا يولد عملة أجنبية، ولا يضيف قدرة إنتاجية عاجلة، ولا يرتبط بالطاقة أو الغذاء أو الأمن أو الخدمات الأساسية، يمكن إعادة النظر في توقيته إذا تطلب الأمر.

هذه ليست دعوة إلى وقف الاستثمار.

بل هي دعوة إلى تغيير أولويات الاستثمار أثناء الأزمة.

---

الثاني عشر: حماية القطاع الخاص والبنوك

في الأزمات، قد تميل الدولة إلى السيطرة بصورة أكبر على النشاط الاقتصادي.

لكن مصر تحتاج إلى العكس.

تحتاج إلى أن تقوم الدولة بدورها في حماية الاقتصاد الكلي والطاقة والغذاء والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية، بينما يحصل القطاع الخاص على مساحة أكبر للإنتاج والتصدير.

كما يجب على البنك المركزي مراقبة الشركات التي لديها ديون دولارية ولا تمتلك إيرادات دولارية مقابلة، لأن ارتفاع سعر الصرف قد يحول مشكلة العملة إلى مشكلة تعثر ائتماني.

ويجب تشجيع الشركات على استخدام أدوات التحوط من مخاطر سعر الصرف.

---

الثالث عشر: لا تجعل الدولة سعر الصرف خط الدفاع الوحيد

إذا انخفض الجنيه في مواجهة صدمة خارجية، فإن تكلفة الدين الخارجي المقوم بالدولار ترتفع بالجنيه حتى إذا لم يرتفع أصل الدين نفسه.

فإذا كانت الدولة مطالبة بسداد مليار دولار، فإن تكلفة هذا المبلغ بالجنيه تصبح أعلى مع ارتفاع سعر الدولار.

وهكذا يمكن أن يصبح انخفاض الجنيه نتيجة للأزمة وسببًا في زيادة تكلفتها في الوقت نفسه.

لذلك يجب أن يكون الهدف هو تحقيق قدر من المرونة المنظمة في سعر الصرف، مع منع المضاربات والاضطرابات الحادة، بدلًا من استنزاف الاحتياطي للدفاع عن سعر ثابت مهما كانت تكلفة ذلك.

---

التضخم.. الحلقة التي يجب كسرها مبكرًا

السيناريو الأكثر خطورة هو دخول الاقتصاد في حلقة تضخمية متكاملة:

ارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الطاقة.

ارتفاع تكلفة الطاقة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج.

تراجع تدفقات الدولار يضغط على سعر الجنيه.

ضعف الجنيه يرفع تكلفة الواردات.

ارتفاع تكلفة الواردات يرفع أسعار الغذاء والسلع والمواد الخام.

ارتفاع التضخم يدفع إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة.

ارتفاع الفائدة يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستثمار.

وهكذا تتحول الصدمة الخارجية إلى تباطؤ داخلي.

ولهذا يجب ألا تركز الدولة على التضخم بعد حدوثه فقط، وإنما تبدأ من الآن في تقليل العوامل التي ستغذيه أثناء الأزمة من خلال تأمين الغذاء والطاقة، وتقليل اختناقات الاستيراد، والحفاظ على استقرار سوق الصرف.

---

البنوك وسوق المال لن يكونا بعيدين عن الأزمة

في حالة ارتفاع التضخم والضغط على الجنيه، سيكون القطاع المصرفي في قلب الأحداث.

قد تبقى أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما يزيد تكلفة التمويل على الشركات والأفراد.

وقد ترتفع مخاطر الائتمان مع تراجع قدرة بعض الشركات على تحمل ارتفاع تكاليف الطاقة والاستيراد.

أما البورصة المصرية، فمن المرجح أن تشهد في بداية الأزمة موجة قوية من التقلبات والبيع، خصوصًا في القطاعات الأكثر تعرضًا لسعر الصرف والطاقة والاستيراد.

لكن الصورة لن تكون واحدة لكل الشركات.

فالشركات التي تمتلك إيرادات دولارية أو قدرة على التصدير قد تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمة، بينما ستواجه الشركات كثيفة الاستيراد أو المديونية الأجنبية ضغوطًا أكبر.

---

متى يتحول الخطر إلى أزمة حقيقية؟

يمكن تصور ثلاثة مستويات.

السيناريو الأول: حرب قصيرة

قد تكون النتيجة ارتفاعًا مؤقتًا في النفط والشحن والتأمين، وضغوطًا على الدولار والتضخم، لكنها تظل قابلة للاحتواء إذا عادت الملاحة والتجارة سريعًا.

السيناريو الثاني: حرب تستمر عدة أشهر

هنا تبدأ الضغوط الحقيقية على الموازنة وسوق الصرف والاحتياطيات، خصوصًا إذا بقي النفط فوق 120 دولارًا للبرميل.

وفي هذه الحالة تصبح إجراءات المائة يوم التي يتم اتخاذها مسبقًا عاملًا حاسمًا في تحديد قدرة الاقتصاد على التحمل.

السيناريو الثالث: حرب طويلة مع توقف قناة السويس وارتفاع النفط إلى 150 دولارًا أو أكثر

هنا يصبح الوضع مختلفًا جذريًا.

لن تكون القضية مجرد تضخم مرتفع أو تراجع في النمو، وإنما قد تظهر أزمة تمويل خارجي وميزان مدفوعات تتطلب تدخلًا دوليًا وإجراءات اقتصادية استثنائية.

---

الخطر الحقيقي ليس ارتفاع النفط وحده

ربما يكون من الخطأ اختزال السيناريو في سؤال:

ماذا يحدث إذا وصل النفط إلى 150 دولارًا؟

السؤال الأخطر هو:

ماذا يحدث إذا وصل النفط إلى 150 دولارًا في الوقت نفسه الذي تتوقف فيه قناة السويس، وتتراجع السياحة، وتحتاج مصر إلى سداد مليارات الدولارات من خدمة الدين؟

هنا تتغير الصورة بالكامل.

فمصر في هذه الحالة لا تواجه ارتفاعًا في تكلفة سلعة واحدة، وإنما تواجه صدمة في مصادر الدولار وارتفاعًا في استخداماته في الوقت نفسه.

وهذه هي النقطة التي يمكن عندها أن يتحول الاقتصاد من مرحلة التعامل مع صدمة مؤقتة إلى مرحلة إدارة أزمة شاملة.

---

ماذا يجب أن تحقق مصر خلال الـ100 يوم؟

إذا أردنا اختصار الخطة كلها في مجموعة أهداف عملية، فإن المائة يوم القادمة يجب أن تستهدف:

أولًا: زيادة أكبر قدر ممكن من السيولة الدولارية والاحتفاظ بها.

ثانيًا: تأمين احتياجات الطاقة والغذاء والدواء.

ثالثًا: إعادة توزيع استحقاقات الدين وتقليل ضغطها في الفترة الحرجة.

رابعًا: حماية الاحتياطي من الاستنزاف غير الضروري.

خامسًا: تقليل الواردات غير الأساسية دون تعطيل الإنتاج.

سادسًا: زيادة الصادرات ومصادر النقد الأجنبي.

سابعًا: الحفاظ على تحويلات المصريين بالخارج وزيادتها.

ثامنًا: حماية السياحة من تداعيات الحرب.

تاسعًا: إعداد برنامج دعم اجتماعي سريع وموجه للفئات الأكثر احتياجًا.

عاشرًا: مراجعة الإنفاق الحكومي وتأجيل ما يمكن تأجيله.

حادي عشر: حماية القطاع المصرفي من مخاطر العملات الأجنبية والتعثر.

ثاني عشر: إعداد خطة واضحة للتعامل مع سعر الصرف دون استنزاف الاحتياطي.

ثالث عشر: إنشاء غرفة عمليات اقتصادية تعمل يوميًا وتملك صلاحية تفعيل إجراءات الطوارئ فورًا.

---

مصر ليست بلا أدوات.. لكنها تحتاج إلى استخدام أدواتها قبل الأزمة

الاقتصاد المصري لا يدخل أي حرب إقليمية محتملة من نقطة الصفر، كما أنه لا يدخلها بلا أدوات دفاع.

فالاحتياطيات الأجنبية عند مستوى مرتفع نسبيًا، وتحويلات المصريين تمثل مصدرًا قويًا للنقد الأجنبي، وهناك إيرادات من السياحة والصادرات، إضافة إلى قدرة مصر على الحصول على تمويل دولي في حالات الأزمات.

لكن هذه الأدوات تستطيع تأجيل الصدمة وامتصاصها جزئيًا، ولا تستطيع إلغاء التكلفة الاقتصادية إذا استمرت الحرب لفترة طويلة.

ولهذا فإن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة هو أن تتعامل مع الاحتياطي باعتباره حلًا لكل شيء.

الاحتياطي هو خط دفاع وليس بديلًا عن الإصلاح.

والتمويل الخارجي هو جسر وليس بديلًا عن توليد الدولار.

والدعم هو أداة لحماية المواطن وليس سياسة يمكن أن تستمر بلا حدود.

---

الخلاصة: اختبار الـ100 يوم يبدأ الآن

الاقتصاد المصري لا يواجه في هذا السيناريو مشكلة واحدة.

إنه يواجه معادلة متشابكة:

قناة السويس قد تخسر إيراداتها.

السياحة قد تتراجع.

النفط والغاز قد يرتفعان.

فاتورة الاستيراد قد تزيد.

الدولار قد يصبح أكثر ندرة.

الجنيه قد يتعرض لضغوط.

التضخم قد يرتفع.

الفائدة قد تظل مرتفعة.

وخدمة الدين الخارجي ستظل مستحقة في مواعيدها.

لكن في المقابل توجد أدوات يمكن استخدامها قبل أن تتحول هذه العوامل إلى أزمة شاملة.

وهنا يجب أن تتغير فلسفة التعامل مع الخطر.

لا ينبغي أن تنتظر الدولة أول 100 يوم من الحرب حتى تبدأ في إدارة الأزمة.

بل يجب أن تبدأ الـ100 يوم قبل الحرب.

فكل دولار يتم تأمينه الآن، وكل استحقاق يتم إعادة توزيعه، وكل عقد طاقة يتم تأمينه، وكل طن غذاء يتم تخزينه، وكل مشروع غير ضروري يتم تأجيله، وكل مصدر جديد للدولار يتم فتحه، وكل أسرة فقيرة يتم تجهيز آلية حمايتها، يمثل جزءًا من خط الدفاع الاقتصادي.

وفي النهاية، ستكون المعركة الاقتصادية الحقيقية حول الدولار.

ليس لأن مصر ستتوقف عن الإنتاج أو الاستهلاك، وإنما لأن الاقتصاد سيحتاج إلى دولارات أكثر في الوقت الذي قد يحصل فيه على دولارات أقل.

ومن هنا سيكون ترتيب المخاطر:

السيولة الدولارية أولًا، ثم سعر الصرف، ثم التضخم، ثم الموازنة، ثم النمو والتوظيف.

أما أخطر سيناريو على الإطلاق فهو أن تطول الحرب إلى ما بعد عدة أشهر، فتتحول الصدمة من أزمة أسعار وطاقة إلى أزمة تمويل وميزان مدفوعات.

وعندها لن يكون السؤال:

هل يستطيع الاقتصاد المصري تحمل الصدمة؟

بل سيكون السؤال الأصعب:

هل بدأت الدولة في بناء خطوط الدفاع قبل وصول الصدمة؟

لأن الفرق بين أزمة مؤلمة يمكن احتواؤها وأزمة اقتصادية شاملة قد لا يكون حجم الصدمة وحده، وإنما سرعة استعداد الدولة، وجودة قراراتها، وقدرتها على الحفاظ على الدولار والطاقة والغذاء والثقة في الوقت نفسه.

د. محمد سامح

استاذ مساعد التمويل والاستثمار ووكيل البحوث والعلاقات الدولية كليه ادارة واقتصاد ونظم المعلومات السابق جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا