الصكوك الضريبية في مصر.. أداة مبتكرة لإدارة السيولة أم تأجيل جديد لأزمة الدين؟
تستعد مصر لطرح أول إصدار من الصكوك الضريبية خلال العام المالي الحالي، في خطوة تمثل تحولًا لافتًا في أدوات إدارة المالية العامة، ليس فقط لأنها تقدم للممولين أداة استثمارية جديدة بعائد معفى من الضرائب، وإنما لأنها تفتح بابًا مختلفًا لتمويل احتياجات الدولة من خلال الاستفادة مقدمًا من تدفقات ضريبية ستتحقق في المستقبل. ووفقًا لما أعلنته الحكومة، سيطرح البنك المركزي هذه الصكوك نيابة عن وزارة المالية، على أن تبلغ مدة الإصدار الأول عامًا واحدًا، مع إتاحته للأفراد والشركات، وإمكانية استخدام قيمة الصك والعائد المستحق عليه لاحقًا في تسوية الالتزامات الضريبية.
الفكرة تبدو في ظاهرها جذابة، خصوصًا بالنسبة إلى الشركات والممولين الذين لديهم التزامات ضريبية مستقبلية؛ فبدلًا من الاحتفاظ بالسيولة دون عائد، يمكن توظيفها في أداة حكومية توفر عائدًا معفى من الضرائب، ثم استخدام أصل الاستثمار وعائده في الوفاء بالالتزامات الضريبية عند حلول موعدها. ومن زاوية إدارة السيولة، يمكن للدولة في المقابل أن تحصل على موارد مالية في الوقت الحالي، بما يساعدها على التعامل مع احتياجاتها التمويلية قصيرة الأجل.
لكن تقييم هذه الأداة لا ينبغي أن يتوقف عند جاذبية فكرتها أو حجم الإقبال المتوقع عليها، وإنما يجب أن ينطلق من سؤال أكثر أهمية: هل ستستخدم الصكوك الضريبية لإدارة السيولة بكفاءة، أم ستتحول تدريجيًا إلى وسيلة للحصول على إيرادات المستقبل لتمويل احتياجات الحاضر؟
هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عند وضع الصكوك في سياق المالية العامة المصرية، التي لا تزال تواجه ضغوطًا كبيرة رغم التحسن الذي تحقق في بعض مؤشرات الدين. فقد أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من نحو 97.2% في السنة المالية 2023/2024 إلى 91.8% في 2024/2025، مع توقع استمرار الانخفاض، إلا أن احتياجات التمويل الإجمالية للحكومة تظل مرتفعة، وتدور حول 40% من الناتج خلال السنوات المقبلة. كما تمثل مدفوعات الفوائد عبئًا بالغًا على الموازنة، بما يحد من المساحة المتاحة أمام الدولة للإنفاق على الاستثمار والخدمات العامة.
ومن هنا، فإن الصكوك الضريبية تأتي في بيئة مالية تحتاج فيها الدولة بالفعل إلى إدارة أكثر كفاءة للسيولة والدين، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى تقليل الاعتماد المستمر على التمويل الجديد. ولذلك فإن الحكم على الأداة يجب أن يرتبط بالوظيفة التي ستؤديها داخل هذه المنظومة، وليس بمجرد قدرتها على توفير أموال إضافية للخزانة.
عندما تتحول الإيرادات المستقبلية إلى سيولة حاضرة
جوهر الفكرة أن الدولة تحصل على السيولة اليوم مقابل التزام ضريبي سيُسدد في المستقبل. وهذا يعني، من الناحية الاقتصادية، تقديم جزء من التدفقات الضريبية المستقبلية إلى الحاضر مقابل تكلفة تمويلية تتمثل في العائد الذي يحصل عليه حامل الصك.
ولا توجد مشكلة في هذا المبدأ بحد ذاته؛ فالحكومات والشركات تستخدم باستمرار أدوات مالية تسمح لها بإدارة الفروق الزمنية بين الإيرادات والمصروفات. المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الأسلوب من أداة مؤقتة لإدارة السيولة إلى وسيلة دائمة لتمويل الإنفاق الجاري أو معالجة عجز هيكلي في الموازنة.
فإذا حصلت الحكومة على حصيلة الصكوك ثم استخدمتها في إعادة تمويل التزامات مرتفعة التكلفة أو خفضت من احتياجاتها التمويلية قصيرة الأجل، فقد تكون العملية ذات أثر إيجابي واضح؛ لأنها تسمح بإدارة هيكل الدين بصورة أكثر كفاءة وربما تخفض تكلفة التمويل الإجمالية.
أما إذا تم استخدام الحصيلة في تمويل نفقات متكررة دون معالجة مصدر العجز، فإن الدولة تكون قد حصلت على أموالها اليوم مقابل جزء من مواردها المستقبلية، وعندما يحين موعد التسوية قد تجد نفسها بحاجة إلى إصدار أدوات جديدة لتوفير السيولة اللازمة. وفي هذه الحالة لا تختفي المشكلة، وإنما تنتقل من فترة زمنية إلى أخرى.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين إدارة السيولة وإدارة الأزمة.
الإعفاء الضريبي ميزة للمستثمر.. لكنه تكلفة على الدولة
من أكثر عناصر الصكوك الضريبية جاذبية أنها تمنح المستثمر عائدًا معفى من الضرائب. وهذه الميزة قد تجعل الأداة جذابة للغاية، خصوصًا للممولين الذين لديهم التزامات ضريبية مستقبلية ويرغبون في إدارة السيولة بصورة أكثر كفاءة.
لكن الإعفاء الضريبي يجب أن يُنظر إليه أيضًا من زاوية المالية العامة. فالعائد المعفى من الضرائب يمثل ميزة اقتصادية يحصل عليها المستثمر، وفي المقابل يجب أن تدخل هذه الميزة في حساب التكلفة الحقيقية التي تتحملها الدولة.
ولهذا فإن مقارنة الصكوك بأذون الخزانة أو السندات أو غيرها من أدوات الدين لا ينبغي أن تقوم على معدل العائد الاسمي فقط، وإنما يجب أن تأخذ في الاعتبار المعاملة الضريبية والتكلفة الفعلية للأموال التي تحصل عليها الحكومة.
وقد تبدو أداة ما أقل تكلفة على الورق، بينما تكون تكلفتها الاقتصادية أعلى بعد احتساب الإعفاءات والمزايا الضريبية. ومن ثم فإن نجاح الصكوك الضريبية يتطلب شفافية واضحة في قياس التكلفة الكلية للتمويل مقارنة بالبدائل المتاحة أمام وزارة المالية.
هل تجذب الصكوك أموالًا كانت ستذهب إلى الاستثمار؟
هناك جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بتوزيع السيولة داخل الاقتصاد. فإذا قدمت الصكوك الضريبية عائدًا جذابًا مع ميزة الإعفاء الضريبي، فمن الطبيعي أن تتنافس على أموال الشركات والأفراد مع الودائع والشهادات وأدوات سوق المال والاستثمارات الأخرى.
وقد يكون ذلك إيجابيًا إذا كانت هذه الأموال كانت ستظل غير مستغلة أو ستتجه إلى استثمارات مالية محدودة القيمة الاقتصادية. لكن الوضع يصبح أكثر تعقيدًا إذا بدأت الأداة الحكومية في جذب موارد مالية كان يمكن أن تذهب إلى القطاع الخاص وتمول توسعات الشركات أو الاستثمارات الإنتاجية.
وهنا تظهر مخاطر ما يعرف اقتصاديًا بـ«المزاحمة»، حيث تستطيع الدولة جذب جزء كبير من المدخرات المحلية لأنها تتمتع بقدرة ائتمانية أعلى وتوفر للمستثمر درجة مرتفعة من الأمان، في حين يجد القطاع الخاص نفسه أمام تكلفة تمويل أعلى أو سيولة أقل.
ولذلك فإن نجاح الصكوك الضريبية لا يجب أن يقاس فقط بحجم الأموال التي تستطيع الحكومة جمعها، وإنما يجب أن يقاس أيضًا بتأثيرها على تكلفة التمويل المتاحة للقطاع الخاص وعلى قدرة الاقتصاد على توجيه المدخرات نحو الاستثمار والإنتاج.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح الأداة قابلة للتكرار
ربما يكون أكبر اختبار لهذه التجربة هو ما سيحدث بعد الإصدار الأول. فإذا حققت الصكوك إقبالًا قويًا، فقد يصبح من المغري توسيع نطاق استخدامها أو تكرار إصدارها، خصوصًا في ظل الاحتياجات التمويلية الكبيرة التي تواجهها الموازنة.
وهنا ينبغي التمييز بين استخدام الأداة بصورة محدودة ومدروسة وبين تحولها إلى مصدر تمويل دائم. فالأداة التي تكون مفيدة في إدارة فجوة مؤقتة في السيولة يمكن أن تصبح مصدرًا لمخاطر جديدة إذا أصبحت الدولة تعتمد عليها بصورة متكررة للحصول على أموال اليوم مقابل إيرادات ضريبية مستقبلية.
ومع استمرار التكرار، يمكن أن تتشكل حلقة تمويلية تبدأ بإصدار الصكوك، ثم استخدام الحصيلة في تلبية الاحتياجات الحالية، ثم حلول موعد الاستحقاق، ثم البحث عن أدوات جديدة لتوفير السيولة، وهكذا. وفي هذه الحالة يصبح نجاح الدولة في إصدار أدوات جديدة هو الذي يحافظ على استقرار المنظومة، بدلًا من أن يكون انخفاض الاحتياجات التمويلية هو مصدر الاستقرار.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في الاقتصاد المصري، لأن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في قدرة الدولة على الاقتراض، وإنما في قدرتها على تقليل حاجتها المستمرة إلى الاقتراض.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في أن تستخدم الحكومة الصكوك الضريبية باعتبارها أداة محدودة لإدارة السيولة وإعادة هيكلة الالتزامات، بحيث تحل محل مصادر تمويل أعلى تكلفة أو تساعد في تقليل الاعتماد على التمويل قصير الأجل. في هذه الحالة يمكن للصكوك أن تصبح جزءًا من سياسة نشطة لإدارة الدين، وأن تحقق فائدة حقيقية للموازنة دون أن تضيف ضغطًا كبيرًا على الاحتياجات المستقبلية.
أما السيناريو المتوسط، فيتمثل في نجاح الأداة في توفير سيولة إضافية للحكومة وتحسين إدارة التدفقات النقدية، دون أن تؤدي في الوقت نفسه إلى تغيير جوهري في اتجاه الدين أو في حجم الاحتياجات التمويلية. وهنا ستكون الصكوك مفيدة من الناحية التشغيلية، لكنها لن تكون حلًا لمشكلة الدين، بل مجرد أداة أخرى ضمن مجموعة أدوات إدارة السيولة.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فهو أن تتوسع الحكومة في استخدام الصكوك بصورة متكررة لتمويل العجز أو إعادة تمويل الالتزامات القائمة، بحيث تتحول الإيرادات الضريبية المستقبلية إلى قاعدة مستمرة للحصول على التمويل الحالي. وفي هذه الحالة قد تبدو المالية العامة مستقرة على المدى القصير، لكن مخاطر إعادة التمويل ستزداد مع الوقت، وسيصبح الاقتصاد أكثر تعرضًا لأي ارتفاع في أسعار الفائدة أو تراجع في معدلات النمو أو ضغوط على سعر الصرف.
المعيار الحقيقي لنجاح التجربة
لن يكون من الصعب معرفة ما إذا كانت الصكوك الضريبية قد نجحت في عامها الأول؛ فالمؤشرات الأولية ستكون واضحة من حجم الاكتتاب ومدى إقبال الممولين عليها. لكن هذه المؤشرات، رغم أهميتها، لا تكفي للحكم على نجاح التجربة من منظور الاقتصاد الكلي.
المعيار الحقيقي يجب أن يكون مختلفًا: هل ساهمت الصكوك في خفض تكلفة التمويل الحكومية وتقليل الاحتياجات المستقبلية للتمويل، أم أنها وفرت فقط مصدرًا جديدًا للسيولة الحالية؟
إذا أدت الصكوك إلى تخفيض تكلفة خدمة الدين، وإطالة آجال الاستحقاق، وتقليل الاعتماد على التمويل قصير الأجل، وتحسين إدارة التدفقات النقدية، فإنها ستكون أداة مالية ناجحة. أما إذا أصبحت مجرد وسيلة لتقديم إيرادات المستقبل إلى الحاضر، فإن نجاحها في جمع الأموال لن يعني بالضرورة نجاحها في تحسين الوضع المالي للدولة.
وهذا يتوافق مع جوهر توصيات صندوق النقد الدولي بشأن الاقتصاد المصري، التي تركز على خفض الاحتياجات الإجمالية للتمويل، وإطالة آجال الاستحقاق، وتقليل تكلفة خدمة الدين، وتحسين إدارة الالتزامات الحكومية.
مصر تحتاج إلى خفض الحاجة إلى التمويل أكثر من حاجتها إلى أدوات تمويل جديدة
مصر ليست دولة تفتقر إلى أدوات التمويل؛ فالحكومة لديها أذون الخزانة والسندات والصكوك الإسلامية وغيرها من الأدوات المحلية والدولية، كما سبق لها أن أصدرت أول صكوك سيادية إسلامية دولارية بقيمة 1.5 مليار دولار في عام 2023، وهو ما يعكس قدرة الدولة على الوصول إلى أسواق وأدوات تمويل متنوعة.
لكن المشكلة الأساسية ليست في عدد الأدوات المتاحة، وإنما في حجم الاحتياجات التي تستدعي استخدامها بصورة متكررة. ولهذا فإن إضافة أداة جديدة إلى منظومة التمويل لا ينبغي أن تكون هدفًا في حد ذاتها، وإنما ينبغي أن تكون جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف في النهاية إلى تقليل الحاجة إلى التمويل الجديد.
وهنا تكمن أهمية الصكوك الضريبية؛ فهي يمكن أن تكون خطوة ذكية إذا استخدمت ضمن سياسة متكاملة لإدارة الدين والسيولة، لكنها قد تصبح مصدرًا لمشكلة جديدة إذا تحولت إلى بديل عن الإصلاح المالي والاقتصادي.
اذا فالصكوك الضريبية ليست كارثة اقتصادية في حد ذاتها، كما أنها ليست حلًا سحريًا لمشكلة الدين العام. إنها أداة مالية جديدة يمكن أن تحقق فائدة حقيقية إذا استخدمت بحجم مناسب، وبتكلفة محسوبة، ولغرض واضح يتمثل في تحسين إدارة السيولة وخفض تكلفة التمويل.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح سهولة الحصول على السيولة سببًا في تأجيل معالجة جذور المشكلة. فالحكومة قد تتمكن من تحويل جزء من إيرادات الضرائب المستقبلية إلى أموال متاحة اليوم، لكنها لن تكون قد ألغت الالتزام، وإنما أعادت ترتيب توقيته وتكلفته.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى الاقتصاد المصري ليس ما إذا كانت الدولة تستطيع إصدار الصكوك الضريبية، ولا ما إذا كان المستثمرون سيقبلون عليها، وإنما ما الذي ستفعله الدولة بالأموال التي تحصل عليها، وماذا سيحدث لاحتياجاتها التمويلية عندما يحين موعد استحقاق هذه الصكوك؟
إذا كانت الإجابة هي أن الصكوك ستساعد على خفض تكلفة الدين وتحسين إدارة السيولة وتقليل الاحتياجات التمويلية المستقبلية، فهي أداة تستحق التجربة.
أما إذا كانت الإجابة أنها ستوفر للدولة مصدرًا جديدًا لتمويل احتياجات قائمة دون تغيير مسار العجز والدين، فإن مصر لن تكون قد حلت المشكلة، وإنما ستكون قد نقلت جزءًا منها من حسابات الحاضر إلى التزامات المستقبل.
وهنا تحديدًا يجب أن يكون معيار الحكم على التجربة: ليس مقدار الأموال التي تستطيع الدولة جمعها اليوم، وإنما مقدار ما ستوفره من احتياجات التمويل غدًا.
د. محمد سامح
استاذ مساعد التمويل والاستثمار ووكيل البحوث والعلاقات الدولية كليه ادارة واقتصاد ونظم المعلومات السابق جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا




