طارق الحوسني: الهدف من الذكاء الاصطناعي ليس استبدال الوظائف بل الحفاظ على رأس المال المعرفي
يتسارع تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، متجاوزاً في كثير من الأحيان توقعات البشر، ومع اتساع نطاق الاعتماد عليه في مختلف القطاعات، تبرز تساؤلات عميقة حول مستقبل الوظائف وطبيعة العمل الإنساني. أحد هذه الأسئلة قد بات اليوم مطروحاً بجدية: ماذا لو استطاع الذكاء الاصطناعي أداء مهامك حتى بعد غيابك أو وفاتك؟!.
هذا السيناريو، الذي كان يُصنف حتى وقت قريب ضمن الخيال العلمي، بدأت ملامحه بالظهور مع إعلان شركة زيروجرافيتي، المتخصصة في البرمجيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، عن إمكانية تطوير ما يُعرف بـ "التوائم الرقمية" للموظفين، وهي نماذج ذكية قادرة على محاكاة خبراتهم المهنية وأنماط عملهم، ضمن أُطر أخلاقية وقانونية صارمة.
وبحسب الشركة، فإنّ مفهوم التوائم الرقمية يعتمد على دراسة معمّقة لسلوك الموظف المهني، وطريقة اتخاذه للقرارات، والخبرات المتراكمة التي اكتسبها خلال مسيرته العملية، بما يتيح للذكاء الاصطناعي أداء بعض مهامه بكفاءة، حتى في حالات الغياب البيولوجي أو الوفاة.
وتؤكد زيروجرافيتي أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها الأولى، لكنها مُرشّحة للتطور السريع مع التسارع المتواصل في قدرات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل استمرارية الإنتاجية بعد الغياب البشري احتمالاً واقعياً في المستقبل القريب.
ورغم الإمكانات الكبيرة التي تفتحها هذه التقنيات، فإنها تثير مخاوف حقيقية لدى شريحة واسعة من الموظفين، خصوصاً فيما يتعلق بإمكانية فقدان الوظائف أو تقليص دور العنصر البشري، إلا أن مسؤولي زيروجرافيتي يشددون على أن الهدف لا يتمثّل في استبدال الإنسان، بل في الحفاظ على المعرفة المؤسسية وضمان استمرارية الخبرات المتميزة، خاصة في القطاعات الحيوية والمشاريع طويلة الأمد، هي حلّ لما يمكن أن نسمّيه إصابة العمل بالسكتة الوظيفية بشكل مفاجئ.
وفي هذا السياق، قال السيد طارق الحوسني كبير مهندسي الرؤية، المؤسس ورئيس مجلس الإدارة في زيروجرافيتي: "ندرك تماماً أنّ المخاوف المرتبطة بفقدان الوظائف هي مخاوف طبيعية، لكن هدفنا الأساسي هو تمكين المؤسسات والموظفين معاً، لأنّ وظيفة التوءم الرقمي الواعي ليست بديلاً عن وظيفة الإنسان الخبير، بل هي وسيلة لضمان الاستقرار وحفظ الإرث المعرفي والخبرة، ولاستمرارية العمل حتى في حالات الغياب أو الوفاة البيولوجية، ضمن إطار أخلاقي وقانوني صارم".
من جانبه، أكد ناصر هلال رئيس المكتب التنفيذي للمجموعة، أنّ الشركة تضع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا في مقدمة أولوياتها، قائلاً: "نحرص على أن تكون هذه التقنيات هي أدوات مساندة تعزّز الإنتاجية وتدعم الموظفين بدلاً من تهديدهم، صحيح أنّ التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي قد تجعل هذه الإمكانيات واقعية قريباً، لكنّ التزامنا الحقيقي والأهم هو بالضوابط الأخلاقية والقانونية للتطبيق هذه التقنية المستقبلية الحديثة."
بينما يرى محللون أنّ توظيف الذكاء الاصطناعي بهذا الشكل قد يعيد تعريف مفهوم العمل ذاته، من مجرد تنفيذ للمهام إلى حفظ دائم للخبرة والذكاء المهني، بما يضمن عدم فقدان المعرفة والخبرة وخصوصاً في أوقات الأزمات مع غياب أصحابها الذي لا مفرّ منه إن حصل.
وعن إمكانية تحول هذا الابتكار من فكرة نظرية إلى تطبيق عملي، قال طارق الحوسني إنّ العالم العربي اليوم قد شهد خلال النصف الثاني من العام الماضي نمواً متسارعاً في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أنّ دولة الإمارات العربية المتحدة قد تصدّرت عربياً من حيث نسبة القوى العاملة التي تعتمد هذه الأدوات.
وأضاف أن السوق المحلية، تمتلك اليوم الجاهزية لاستيعاب الابتكارات التي تعزّز ريادة الاقتصاد الوطني، ومع استيفاء هذا التوجّه لمتطلباته القانونية والتقنية والأخلاقية، يمكن أن يشكّل نقلة نوعية في الحفاظ على الإرث المعرفي للكوادر الخبيرة، وضمان عدم فقدان خبراتهم بشكل مفاجئ بسبب الغياب أو الرحيل، ليصبح الذكاء الاصطناعي بذلك أداة لحماية المعرفة الإنسانية واستمراريتها، لا بديلاً عنها".
وفي هذا الإطار، يبقى الرهان قائماً على الابتكار المسؤول كأداة لتحسين جودة العمل، ودعم مسارات النمو والازدهار، ومواكبة تحولات العصر المتسارعة دون التفريط بالبعد الإنساني للعمل.



