كوابيس الثلاثينيات وانتحار العولمة الاقتصادية
تتردد في الأوساط الاقتصادية والسياسية اليوم مقولة مأثورة لمارك توين: «التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يتناغم مع ذاته». وحين نتأمل مشهد التجارة المتعثرة، وأزمات المديونية المتراكمة، وتآكل الثقة في المنظومة النقدية الدولية، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن بالفعل أمام نسخة معاصرة من حقبة الثلاثينيات التي سبقت الحرب العالمية الثانية؟ وإلى أي حد يصح القول إن «اليوم أشبه بالبارحة»؟
النقاش هنا لا يدور حول انطباعات نظرية، بل تؤكده لغة الأرقام والمؤشرات الهيكلية التي ترصد تصدع المنظومات وتآكل الثقة بين القوى الكبرى.
البارحة: عندما تصدعت أسس العولمة الأولى بالأرقام
في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي، لم تكن الأزمة مجرد انكماش عابر، بل كانت انهياراً شاملاً للبنية التحتية للاقتصاد الكلاسيكي موثقاً ببيانات قاسية:
جمود معيار الذهب والانهيار الإنتاجي: قيّد معيار الذهب البنوك المركزية ومنعها من التوسع النقدي؛ فانكمش المعروض النقدي في الولايات المتحدة بنحو 33% بين عامي 1929 و1933، وهوى الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بالأسعار الجارية بنحو 46%، وقفزت معدلات البطالة من 3.2% عشية الأزمة لتتجاوز 25% في عام 1933، مع انهيار أكثر من 9,000 بنك أمريكي.
فخ الديون المتسلسلة وإفلاس الوسط الأوروبي: بلغت ديون وتعويضات فرساي المفروضة على ألمانيا 132 مليار مارك ذهبي (نحو 33 مليار دولار آنذاك)، وربطت واشنطن سداد ديون الحلفاء البالغة قرابة 10 مليارات دولار باسترداد تلك التعويضات. وحين انفجرت فقاعة الأسهم في أكتوبر 1929، سحبت نيويورك قروضاً قصيرة الأجل بمليارات الدولارات من أوروبا؛ فانهار بنك «كريديت أنشتالت» النمساوي في مايو 1931 الذي كان يسيطر وحده على نحو 70% من القطاع المصرفي النمساوي، مما فجّر تخلفاً شاملاً عن سداد الديون في وسط أوروبا ورفع البطالة في ألمانيا إلى أكثر من 30% (ما يقارب 6 ملايين عاطل)، ممهداً الأرضية السياسية لتسليم السلطة للنازية عام 1933.
كارثة تعريفة سموت هاولي وخنق التجارة: في يونيو 1930، أقرّت واشنطن قانون تعريفة سموت هاولي الجمركية، الذي رعاه عضوا الكونغرس ويليس هاولي وريد سموت، رافعاً الرسوم على أكثر من 20,000 سلعة مستوردة ليصل متوسط التعريفة الفعلية إلى قرابة 60% (نحو 59.1% في عام 1932).
جاء الرد الدولي عبر تعريفات انتقامية عاجلة من كندا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا؛ فانكمشت قيمة التجارة العالمية السنوية من 5.3 مليار دولار في عام 1929 إلى نحو 1.8 مليار دولار فقط بحلول عام 1933، أي بانهيار قارب 66%. وتقلصت الصادرات الأمريكية بأكثر من 60%، لتعجز الدول المدينة تماماً عن توليد الفوائض الدولارية لسداد التزاماتها.
الديون كوقود للتفكك: من صدمة فرساي إلى مصيدة الفائدة المرتفعة
تمثل المديونية دائماً الصاعق المالي للتحولات الجيوسياسية؛ فكما أدى سحب رؤوس الأموال الأمريكية قبل قرن إلى شلل السيولة في أوروبا، يتكرر المشهد حالياً بأرقام قياسية:
أعباء الديون السيادية في الجنوب العالمي: أدى رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة من نطاق 0.00%–0.25% إلى أكثر من 5.25% في غضون أشهر إلى امتصاص حاد للسيولة وهروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة. وتشير بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن إجمالي الدين السيادي العالمي قفز ليتجاوز 100 تريليون دولار (مقترباً من 93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي).
اختناق الموازنات النامية: تدفع الدول النامية والمنخفضة الدخل اليوم كلفة تاريخية لخدمة الدين الخارجي؛ حيث تنفق أكثر من 60 دولة ما يفوق 10% إلى 15% من إيراداتها العامة لخدمة الديون فقط. ووصلت مدفوعات خدمة الدين الخارجي في أفقر دول العالم إلى مستويات تفوق مخصصات قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية مجتمعة، بعدما قفزت عوائد السندات الدولارية في الأسواق المتعثرة فوق حاجز 12% إلى 15%.
تشتت الدائنين وانسداد أفق الهيكلة: على خلاف عقد الثلاثينيات، لم يعد الدائن محصوراً في مصارف نيويورك ولندن؛ إذ أصبحت الصين أكبر مقرض ثنائي في العالم بحجم قروض يتجاوز 800 مليار دولار ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، بينما يستحوذ حملة السندات التجاريون على حصة وازنة في ديون اليورودولار. هذا الانقسام عطّل مسار «الإطار المشترك لمجموعة العشرين»، حيث يمتد متوسط زمن إعادة هيكلة الدين السيادي حالياً إلى ما بين 3 و4 سنوات (كما جرى في زامبيا وغانا وسريلانكا)، مقارنة بأقل من عامين في تسعينيات القرن الماضي.
سلاح التجارة: استبدال الكفاءة بالأمن القومي
شهدت ثلاثينيات القرن الماضي تحول الدول نحو سياسات «إفقار الجار»، وهو ما يتكرر رقمياً اليوم بصورة تفكيك متعمد لحرية التبادل الدولي:
طفرة القيود الحمائية: وفقاً لقواعد بيانات مرصد التجارة العالمي (Global Trade Alert) وصندوق النقد الدولي، ارتفع عدد التدابير والقيود التجارية المشوهة للسوق والمفروضة سنوياً من نحو 600 إلى 800 إجراء قبل عقد إلى ما يزيد على 3,000 إجراء حمائي سنوياً في السنوات الأخيرة.
سباق الدعم والانفصال التكنولوجي: ضخت الاقتصادات الكبرى تريليونات الدولارات في برامج دعم صناعي موجهة لاحتكار التقنيات الحيوية؛ مثل تخصيص الولايات المتحدة لنحو 52 مليار دولار لأبحاث وتصنيع أشباه الموصلات وحزم خفض التضخم بنحو 369 مليار دولار للطاقة النظيفة، في مقابل حزم دعم صينية ضخمة تفوق 1.5% إلى 2% من ناتجها المحلي الإجمالي لقطاعات البطاريات والسيارات الكهربائية.
ارتفاع متوسط الرسوم: تصاعدت الرسوم الجمركية المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين لتغطي صادرات تزيد قيمتها على 350 مليار دولار، مع رفع معدلات التعرفة على السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والصلب إلى نطاقات تتراوح بين 25% و100%، ما دفع التجارة الثنائية بين القوتين الكبريين للتراجع بنسب ملموسة لصالح شركاء وسيطين.
ارتباك الملاذات الآمنة: الدولار بين الهيمنة وتعدد الأقطاب
حين تخلت بريطانيا عن معيار الذهب في سبتمبر 1931، تهاوت حصة الجنيه الإسترليني في التسويات الدولية لصالح الكتل الإقليمية؛ واليوم ترسم الأرقام مساراً تدريجياً لتقليص الاعتماد المطلق على الدولار:
تراجع حصة الدولار من الاحتياطيات الرسمية: تشير بيانات صندوق النقد الدولي (COFER) إلى أن حصة الدولار الأمريكي في احتياطيات النقد الأجنبي العالمية المخصصة انخفضت من نحو 71% عام 2000 إلى ما يقارب 58%، وهو أدنى مستوى لها في ربع قرن.
سباق الذهب السيادي: شكّل تجميد نحو 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي في عام 2022 نقطة تحول تاريخية في إدارة المخاطر؛ حيث بلغت مشتريات البنوك المركزية من الذهب مستويات قياسية تاريخية متتالية تجاوزت 1,000 طن سنوياً لعامين متتاليين وفق بيانات مجلس الذهب العالمي، مدفوعة بطلب مؤسسي مكثف من الصين والهند وتركيا ودول الشرق الأوسط للتحوط ضد مخاطر الحجز والعقوبات.
نمو التسويات بالعملات البديلة: ارتفعت حصة اليوان الصيني في تمويل التجارة العالمية عبر شبكة «سويفت» من أقل من 2% قبل سنوات قليلة إلى ما يقارب 5% إلى 6%، بالتزامن مع تسوية أكثر من 70% إلى 80% من التجارة البينية الروسية-الصينية، وحصص متزايدة من تجارة الطاقة بين دول الخليج والهند والصين، بالعملات المحلية والمبادلات الثنائية.
نحو نظام لا-قطبي مرن
إذا كان صراع الثلاثينيات قد انتهى بصدام عسكري كاسح أفرز اتفاقية «بريتون وودز» عام 1944 وأسس لصعود أمريكا التي كانت تنتج وحدها نحو 50% من الناتج الصناعي العالمي آنذاك، فإن المشهد الهيكلي للقوى قد تغير جذرياً اليوم:
تراجع الوزن النسبي للكتلة الغربية: لم تعد دول مجموعة السبع (G7) تحتكر الاقتصاد العالمي؛ إذ تراجعت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي المحسوب بتعادل القوة الشرائية (PPP) من نحو 50% في ثمانينيات القرن الماضي إلى نحو 30%، في حين تخطت حصة دول تكتل «بريكس» حاجز 35%.
صعود "القوى المتأرجحة جيوسياسياً": تبرز قوى اقتصادية إقليمية (الهند، السعودية، البرازيل، إندونيسيا، مصر، تركيا) ككتل تنموية تمثل مجتمعة مئات الملايين من المستهلكين ومصادر الطاقة الحيوية والممرات الملاحية؛ وهي قوى لم تعد رهينة لاصطفاف أيديولوجي، بل تفرض مبدأ تنويع الشركاء ورفض العقوبات الأحادية.
معضلة الدين العام في دولة المركز: تملك الولايات المتحدة اليوم ديناً عاماً تجاوز حاجز 35 تريليون دولار بما يعادل أكثر من 122% من ناتجها المحلي الإجمالي، مع وصول مدفوعات فوائد الدين السنوية الصافية إلى أكثر من تريليون دولار سنوياً (متجاوزة الموازنة العسكرية الأمريكية السنوية البالغة نحو 850 مليار دولار)، مما يضع علامات استفهام طويلة الأجل حول استدامة السندات الأمريكية كأصل خالٍ تماماً من المخاطر.
التاريخ لا يعيد نفسه.. بل يُنذرنا
القول بأن «اليوم أشبه بالبارحة» ليس تشاؤماً عبثياً ولا تهويلاً تاريخياً؛ إنه توصيف دقيق لحالة التفكك الهيكلي في قواعد اللعبة الدولية المدعومة بالبيانات الواقعية.
إننا نعيش في قلب مرحلة مخاض عسيرة لنظام عالمي جديد؛ سيكون أكثر تشظياً، وأقل اعتماداً على عملة منفردة، وأشد وطأة على الاقتصادات المثقلة بالديون ما لم تبادر إلى تقليل الهشاشة المالية وإعادة هيكلة نماذجها التنموية.
الدرس الأكبر من عقد الثلاثينيات ومأساة "تعريفة سموت هاولي" لا يزال شاخصاً أمام الجميع: الجدران الجمركية والسياسات الانعزالية لا تحمي الاقتصادات الوطنية بل تعزلها وتخنق الجميع؛ وعندما تعجز السياسات الاقتصادية عن توفير الاستقرار والعدالة، فإن السياسة العمياء تتكفل بملء الفراغ، وغالباً ما تكون تكلفتها باهظة على العالم بأسره
د. محمد سامح
استاذ مساعد التمويل والاستثمار ووكيل البحوث والعلاقات الدولية كليه ادارة واقتصاد ونظم المعلومات السابق جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

