من يزرع بذور الصراع الداخلي؟
لا تسقط الدول عندما ترتفع ديونها، ولا عندما ترتفع معدلات التضخم، ولا حتى عندما تتراجع قيمة عملاتها. الدول تبدأ في فقدان تماسكها عندما يشعر مواطنوها بانهم لم يعودوا يعيشون في المجتمع نفسه، وان الفرص لم تعد موزعة بعدالة، وان تكلفة الاصلاح يتحملها الجميع بينما يجني ثماره عدد محدود.
هذا هو الخطر الحقيقي الذي ينبغي ان يشغل صانع القرار في مصر اليوم.
خلال السنوات الماضية، خاضت الدولة واحدة من اعنف عمليات الاصلاح الاقتصادي في تاريخها الحديث. كان الهدف واضحا: انقاذ الاقتصاد من الاختلالات الهيكلية، واستعادة ثقة المستثمرين، وتجنب سيناريوهات الانهيار التي شهدتها دول اخرى.
لا احد يستطيع ان ينكر ان هذه السياسات حققت نتائج مهمة. فقد ارتفع الاحتياطي النقدي، وتحسن التصنيف الائتماني في بعض المراحل، وحققت الدولة فائضا اوليا، واستمرت المشروعات القومية الكبرى، كما نجحت الحكومة في تجنب ازمة مالية كانت تهدد الاقتصاد المصري.
لكن المشكلة ان الاقتصاد لا يعيش في تقارير المؤسسات الدولية، بل يعيش في جيوب المواطنين.
فبينما كانت المؤشرات الكلية تتحسن، كان المواطن يواجه واقعا مختلفا تماما. فقد تراجعت القوة الشرائية بصورة حادة، وارتفعت اسعار الغذاء والدواء والسكن والتعليم والنقل، واصبحت الطبقة المتوسطة، التي كانت تمثل تاريخيا صمام الامان الاجتماعي، تعيش ضغوطا لم تعرفها منذ عقود.
ولذلك لم يكن غريبا ان يظهر مصطلح "مصر وايجيبت".
قد يبدو المصطلح ساخرا، لكنه في حقيقته ناقوس خطر. فهو يعبر عن احساس متزايد بان هناك مجتمعين داخل الدولة الواحدة. مجتمع يملك القدرة على التكيف مع كل موجات الغلاء، ويتمتع بخدمات وتعليم ورعاية صحية وسكن بمعايير عالمية، ومجتمع اخر يخوض معركة يومية لتدبير احتياجاته الاساسية.
اخطر ما في هذا المصطلح انه لا يتحدث عن الفقر، بل عن الاحساس بالتمييز.
فالناس تتحمل الصعوبات عندما تشعر بان الجميع يتحملها معها، لكنها تفقد الثقة عندما تعتقد ان هناك من يعيش في واقع اقتصادي مختلف تماما.
وتأتي الموازنة العامة الجديدة لتؤكد حجم التحدي.
فالحكومة تستهدف تحقيق فائض اولي يبلغ نحو 5% من الناتج المحلي الاجمالي، وخفض العجز الكلي الى نحو 4.9%، وهي اهداف تحسب لها وتعكس التزاما واضحا بالانضباط المالي.
لكن في المقابل، تكشف الموازنة ان فوائد الدين وحدها تقترب من 2.42 تريليون جنيه، بينما يصل اجمالي خدمة الدين الى نحو 5.2 تريليون جنيه، وهو رقم يكفي وحده لادراك حجم القيود التي تحكم السياسة المالية.
وفي المقابل، لا تتجاوز الاستثمارات العامة نحو 553.7 مليار جنيه، بينما تبلغ مخصصات الاجور نحو 822.8 مليار جنيه، والدعم والمنح والمزايا الاجتماعية نحو 836.8 مليار جنيه.
هذه الارقام لا تعني فقط ان الدولة مثقلة بالديون، بل تعني ايضا ان كل جنيه يذهب لسداد خدمة الدين هو جنيه لا يذهب الى مدرسة جديدة، او مستشفى افضل، او مصنع يوفر فرص عمل، او شبكة نقل تخفف معاناة المواطنين.
ومن هنا تتولد الفجوة بين ما تراه الحكومة نجاحا اقتصاديا، وما يراه المواطن واقعا معيشيا.
لقد نجحت الدولة في بناء مدن جديدة وطرق ومحاور وموانئ، وهي استثمارات لا يمكن التقليل من اهميتها. لكن المواطن لا يقيس نجاح الاقتصاد بعدد الكباري، بل بقدرته على شراء احتياجات اسرته، وتعليم ابنائه، والحصول على علاج كريم، والعيش دون خوف من موجة غلاء جديدة.
ولا يعني ذلك ان الاصلاح الاقتصادي كان خطأ، بل يعني ان الاصلاح المالي وحده لا يكفي.
فالاصلاح الحقيقي هو الذي يجعل المواطن يشعر بان حياته تتحسن، وليس فقط ان تقارير المؤسسات الدولية اصبحت افضل.
واليوم، لم يعد المطلوب مجرد تحقيق فائض اولي او خفض العجز، بل اعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن.
وهذه الثقة لا تبنى بالشعارات، وانما بالسياسات.
تبنى عندما يشعر الموظف ان راتبه يحافظ على كرامته.
وتبنى عندما يشعر المعلم والطبيب والمهندس ان الطبقة المتوسطة ليست في طريقها الى التآكل.
وتبنى عندما يصبح التعليم الجيد والعلاج الجيد والسكن المناسب حقا متاحا، لا امتيازا لمن يستطيع الدفع.
كما تبنى عندما تتحول اولويات الانفاق العام تدريجيا من خدمة الديون الى خدمة الانسان، ومن الاستهلاك الى الانتاج، ومن الاقتراض الى الاستثمار، ومن الاقتصاد الذي يعتمد على المشروعات وحدها الى اقتصاد يقوده التشغيل والصناعة والتصدير.
ويبقى التحدي الاكبر هو الحفاظ على التماسك الاجتماعي.
فكل التجارب الدولية تؤكد ان الدول لا تهزمها الازمات الاقتصادية وحدها، وانما يهزمها اتساع الفجوة بين فئات المجتمع، وتراجع الثقة، وشعور المواطنين بان العدالة الاجتماعية اصبحت بعيدة المنال.
مصر لا تحتاج اليوم الى اقتصاد قوي فقط، بل تحتاج الى اقتصاد عادل.
لان الاقتصاد القوي قد يرفع معدلات النمو، اما الاقتصاد العادل فهو الذي يحمي استقرار الاوطان.
ومن يزرع بذور العدالة يحصد الاستقرار، اما من يسمح باتساع الفجوة بين "مصر" و"ايجيبت"، فانه يزرع، ولو من دون قصد، بذور صراع داخلي لا يحتاجه هذا الوطن، ولا يحتمل كلفته.
د. محمد سامح
استاذ مساعد التمويل والاستثمار ووكيل البحوث والعلاقات الدولية كليه ادارة واقتصاد ونظم المعلومات السابق جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

