أحمد عادل : الذكاء الصناعي يضع السوق العقاري على أعتاب تغيير جذري في آليات التسويق والبيع
أحمد عادل : الذكاء الصناعي يضع السوق العقاري على أعتاب تغيير جذري في آليات التسويق والبيع
قال أحمد عادل رائد أعمال مصري مهتم بالاستثمار في القطاع العقاري إن العالم اليوم يشهد موجةً استثمارية غير مسبوقة في مجال الذكاء الاصطناعي داخل قطاع التسويق العقاري.
فوفقًا لتقرير “الذكاء الاصطناعي في سوق العقارات العالمي 2025” الصادر عن شركة The Business Research Company، بلغ حجم هذا السوق عالميًا نحو 301.58 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يتخطى 975 مليار دولار بحلول عام 2029 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 34.1%.
وتُقدّر مؤسسة ماكنزي العالمية للأبحاث أن الذكاء الاصطناعي قادر على توليد ما بين 110 إلى 180 مليار دولار من القيمة المضافة لصناعة العقارات على المستوى الدولي. هذه الأرقام تعكس حجم التحول الجذري الذي يعيد رسم ملامح الصناعة، وتجعل من قطاع التسويق العقاري الميدان الأكثر تأثرًا في هذه الثورة الرقمية.
أشار إلى أن العشر سنوات الماضية، شهدت تحولا كبيرا إذ أصبحت الأسواق العقارية تبحث عن عملاء محتملين من خارج حدودها المحلية.
هذا التحول كان قائمًا قبل ذلك، لكن مقارنةً بحجم تأثيره، فقد شهدنا نقلة نوعية ضخمة خلال العقد الماضي تحديدًا، من خلال استخدام أدوات التسويق الإلكتروني عبر منصات ميتا وجوجل.
وقد أتاحت أدوات الوصول للعملاء المحتملين من خارج حدود السوق المحلي فرصة لصناعة جديدة، هي صناعة تصدير العقار، التي أصبحت عنصرًا محوريًا في اقتصادات كثير من الدول.
فلم تعد عملية البيع العقاري مقتصرة على المشتري المحلي الذي يعرف السوق ويسكن بالقرب منه، بل باتت تستهدف مستثمرين من قارات مختلفة، يتخذون قراراتهم عن بُعد، اعتمادًا على المحتوى الرقمي والبيانات المتاحة.
وقد شهد هذا التحول نموًا متزايدًا، خاصةً مع توافر مزايا مبتكرة قدّمتها كثير من الدول لاستقطاب المستثمرين الأجانب، كالتسهيلات الضريبية، والحصول على إقامات مميزة، وإتاحة الاستثمار في أسواق المال المحلية.
وقد أسهمت نتائج هذا التحول في دخول مستثمرين جدد من دول لم تكن مستهدفة من قبل، مما أدى إلى نمو غير مسبوق في قطاع التطوير العقاري، وارتفاع ملحوظ في حجم الصفقات العابرة للحدود.
ما نشهده حاليًا هو مرحلة جديدة كليًا؛ مرحلة النضج في التعامل مع التسويق العقاري، بل وأيضًا مع جميع عناصر منظومة التطوير العقاري.
على صعيد التمويل، شهدنا في أغلب الدول تحولًا جوهريًا في مراقبة آليات التمويل العقاري وآليات الإقراض من البنوك للمطور والمشتري النهائي.
وباتت الجهات الرقابية أكثر قدرةً على تتبع مسار الأموال والكشف المبكر عن أي مخاطر مالية، مما يعني بيئة استثمارية أكثر شفافيةً وأمانًا.
ولعلّ تجربتَي المملكة العربية السعودية والإمارات تُمثّلان النماذج الأبرز في هذا المجال؛ ففي السعودية أسهم برنامج “وافي” لتنظيم مبيعات الوحدات على الخريطة في رفع معدل التملك السكني من 47% عام 2016 إلى أكثر من 65.4% بحلول عام 2025. أما في دبي، فقد أطلقت دائرة الأراضي والأملاك منظومة متكاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين في تسجيل العقود، مما جعل دبي في مقدمة أكثر أسواق العقار شفافيةً عالميًا، وأتاح لشركات التطوير تقديم حلول تمويلية للمشترين قبل اكتمال البناء بالكامل.
على صعيد الإنشاءات، أصبحت متابعة سير المشاريع اليومية أمرًا سهلًا بفضل التقنيات الحديثة في التصوير ، التي تتيح للمطورين والمستثمرين متابعة تقدم البناء لحظةً بلحظة، حتى لو كانوا على بُعد آلاف الكيلومترات. وقد امتد هذا التحول ليشمل توظيف الذكاء الاصطناعي في عمليات البناء ذاتها، من خلال صناعة الروبوتات الذكية القادرة على تنفيذ مهام دقيقة كانت حكرًا على العمالة البشرية، مما يُقلص التكاليف ويرفع معدلات الجودة والسلامة.
أما عملية التسويق العقاري فقد شهدت التحول الأكبر والأعمق، من خلال منتجات وأدوات جديدة أصبحت عناصر بالغة الأهمية في المشهد العقاري الراهن. وفيما يتعلق بحجم الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي داخل القطاع العقاري، نما هذا السوق من 165 مليار دولار عام 2023 إلى نحو 227 مليار دولار في عام 2024، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 37%.
وتُشير تقارير Deloitte إلى أن 76% من شركات العقارات التجارية حول العالم بدأت بالفعل في تبني حلول الذكاء الاصطناعي أو استكشافها.
ومن أبرز مؤشرات هذا الزخم أن مايكروسوفت وحدها أعلنت عن استثمار 15.2 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الإمارات للفترة الممتدة من 2023 إلى 2029.
الذكاء الاصطناعي ودبي: أبرز مثال على الصفقات العقارية التقنية سجّل قطاع العقارات في دبي أرقامًا تاريخية في عام 2024 وصلت إلى 226,000 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 761 مليار درهم إماراتي، وذلك وفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الأراضي والأملاك في دبي. وفي النصف الأول من عام 2025 وحده، تجاوزت معاملات السوق 125,000 صفقة بقيمة 431 مليار درهم، بحسب مكتب إعلام حكومة دبي. وفي هذا السياق، تبرز قصة نجاح لافتة: أطلقت شركة Realiste الاستشارية العقارية مستشارها الاصطناعي “Jucica Brown” – وهو يُعدّ أول مستشار عقاري افتراضي مدعوم بالذكاء الاصطناعي عبر منصات التواصل الاجتماعي – وقد أتمّ هذا الوكيل الذكي 50 صفقة عقارية في دبي بقيمة إجمالية بلغت 30 مليون دولار في غضون ثلاثة أسابيع فقط من إطلاقه، وفق ما أفادت به مجلة Arabian Business. كما تؤكد دائرة الأراضي والأملاك في دبي أن المنظومة الرقمية التي تعتمدها، والمدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين في تسجيل الملكية وإتمام الصفقات، تُسهم في رفع الكفاءة التشغيلية وجذب المستثمرين الدوليين، إذ استقطب السوق 110,000 مستثمر جديد خلال عام 2024 وحده بزيادة 55% مقارنةً بالعام السابق.
فقد بات الذكاء الاصطناعي دليلًا جديدًا يرشد المشتري في رحلة الشراء بأكملها؛ إذ يقارن بين المناطق المختلفة، ويحلل مؤشرات النمو، ويستعرض العوائد المتوقعة، ويعمل مرجعًا ماليًا يراجع خطط المشتري ويُنبّهه إلى المخاطر المحتملة.
بل تجاوز الأمر ذلك، لتظهر منصات تستخدم الذكاء الاصطناعي في توليد جولات افتراضية ثلاثية الأبعاد، وتصميم الوحدات وفق تفضيلات المشتري قبل بنائها، وتقدير قيمة العقار بدقة عالية استنادًا إلى بيانات السوق الآنية.
وهذا التحول يسير بوتيرة أسرع بكثير من التحولات السابقة، نظرًا للاعتماد على البيانات في كل لحظة وتحديثها بصورة مستمرة.
فإذا كان انتشار الإنترنت احتاج سنوات ليُغيّر التسويق العقاري، فإن الذكاء الاصطناعي يُعيد رسم ملامح الصناعة في غضون أشهر.
لقد أصبح الاستثمار العقاري أيسر مما كان عليه في الماضي، وهذا التحول يمسّ بنية الصناعة من جذورها. فلم يعد المطورون العقاريون هم اللاعب الأوحد والأهم في المعادلة، إذ بفضل أدوات التمويل الجماعي الذكية، بات بإمكان مجموعة من المستثمرين الأفراد تجميع رؤوس أموالهم وتطوير مشاريع عقارية كاملة، متجاوزين بذلك الحاجة إلى وسيط تقليدي.
وبهذا قد يصبح المستثمرون هم المطور العقاري بأنفسهم.
كما لم يعد التملك العقاري حكرًا على الأثرياء وحدهم؛ فمنصات التجزئة العقارية تتيح اليوم للأفراد امتلاك حصص في عقارات بمبالغ صغيرة نسبيًا، مما يفتح الباب أمام شريحة واسعة من المجتمع.
وتُعدّ دبي ونيويورك من أبرز الأسواق العالمية في هذا النموذج؛ ففي دبي، أتاحت منصة “Stake” المرخّصة من DFSA للمستثمرين امتلاك حصص في عقارات مؤجّرة بدءًا من 500 درهم، وقد موّلت أكثر من 200 عقار بإجمالي معاملات تجاوزت 556 مليون درهم. بل وصل الأمر في مايو 2025 إلى أن الصفقات العقارية المرمّزة (Tokenized) في دبي بلغت 399 مليون دولار في شهر واحد، أي 17.4% من إجمالي صفقات السوق. أما في نيويورك، فتتيح منصة “Arrived Homes” و“Yieldstreet” الدخول في الاستثمار العقاري بمبالغ تبدأ من 100 دولار. ويُلاحظ في كلا السوقين أن الذكاء الاصطناعي بات يقترح أفضل الفرص تبعًا لتفضيلات كل مستثمر، مما يُحوّل هذا النموذج من مجرد تمويل جماعي إلى منظومة استثمارية ذكية قائمة على البيانات.
وهذا كله يقودنا إلى حقيقة لا مفرّ منها: التسويق العقاري والعاملون فيه على أعتاب تغيير جذري في آليات التسويق والبيع.
فالوسيط التقليدي الذي كان يُهيمن على المعلومات ويتحكم في إيصالها للمشتري، بات يواجه منافسًا لا يكلّ، يعمل على مدار الساعة، ويملك بيانات أكثر، ويقدّم توصيات أدق. وقد تتحول هذه العمليات المعقدة التي كانت تستغرق أسابيع إلى ما هو أبسط وأقل تكلفةً وأسرع تنفيذًا بشكل لافت.
على الرغم من كل هذه الفرص الواعدة، تبقى ثمة تحديات جوهرية تُلقي بظلالها على مستقبل الذكاء الاصطناعي في القطاع العقاري.
أبرزها وأصعبها هي صناعة القرار والمسئولية القانونية؛ فحين يوصي الذكاء الاصطناعي بشراء عقار معين ويُثبت لاحقًا أن تلك التوصية كانت خاطئة، من يتحمل المسئولية القانونية؟ هل هي الشركة المطورة للنظام؟ أم المنصة التي قدّمته؟ أم المشتري الذي اتخذ القرار بناءً عليه؟ هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابات تشريعية واضحة في معظم دول العالم، وستكون محور نقاشات قانونية حامية في السنوات القادمة.

