أخطر ٤٨ ساعة في حرب إيران
أخطر ٤٨ ساعة في حرب إيران
خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية، شهدت المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تصعيدًا نوعيًا يعكس انتقالًا واضحًا نحو مرحلة أكثر حدة، مع مؤشرات متزايدة على اقتراب عملية عسكرية كبرى قد تتحدد ملامحها خلال الساعات المقبلة. هذا التحول لا يُقرأ فقط في إطاره العسكري، بل يفتح الباب أمام واحدة من أعقد الصدمات الاقتصادية المحتملة في العقود الأخيرة، نظرًا لارتباطه المباشر بشرايين الطاقة العالمية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما بين 18% إلى 21% من تجارة النفط العالمية، أي ما يعادل نحو 17 إلى 20 مليون برميل يوميًا، وهو ما يعني أن تعطّلًا جزئيًا بنسبة 10% فقط قد يسحب من السوق ما يقرب من 2 مليون برميل يوميًا، كفيل برفع الأسعار عالميًا بنسب تتراوح بين 20% و40% في الأسابيع الأولى.
هذا الارتفاع في أسعار الطاقة يترجم مباشرة إلى زيادة في تكاليف الإنتاج والنقل، حيث تشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يؤدي إلى زيادة في معدل التضخم العالمي بنحو 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية. ومع وصول الأسعار المحتمل إلى نطاق 120–150 دولارًا للبرميل، فإن التضخم قد يقفز عالميًا بما يتراوح بين 1.5 إلى 3 نقاط مئوية إضافية، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية، التي ترتبط بالطاقة بنسبة تتجاوز 30% من تكلفتها الإجمالية.

في هذا السياق، يُتوقع أن ترتفع أسعار الحبوب الرئيسية بنسبة تتراوح بين 15% و25% خلال 3 إلى 6 أشهر، بينما قد تقفز أسعار الأسمدة بنسبة تتجاوز 40% نظرًا لاعتمادها على الغاز الطبيعي، الذي يمثل نحو 70% من تكلفة إنتاجها. هذا يعني أن تكلفة إنتاج القمح مثلًا قد ترتفع بنحو 20% في موسم واحد فقط، وهو ما ينعكس على الدول المستوردة، خاصة أن أكثر من 60% من تجارة القمح العالمية تمر عبر ممرات بحرية معرضة للتأثر بالتوترات الحالية.
بالنسبة لـ مصر، التي تستورد ما بين 10 إلى 12 مليون طن من القمح سنويًا، فإن كل زيادة بنسبة 10% في الأسعار العالمية قد ترفع فاتورة الاستيراد بنحو 300 إلى 400 مليون دولار سنويًا. وإذا ارتفعت الأسعار بنسبة 25%، فإن العبء الإضافي قد يتجاوز مليار دولار، وهو ما يضغط مباشرة على الموازنة العامة واحتياطي النقد الأجنبي. وفي الوقت ذاته، فإن إيرادات قناة السويس، التي تدر ما بين 8 إلى 10 مليارات دولار سنويًا، قد تتراجع بنسبة تتراوح بين 20% و40% في حال اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، ما يعني خسارة محتملة تصل إلى 3 مليارات دولار في عام واحد.
أما على صعيد سعر الصرف، فإن خروج استثمارات أجنبية بنحو 5 إلى 10 مليارات دولار—وهو رقم حدث في أزمات سابقة—قد يؤدي إلى انخفاض قيمة العملة بنسبة تتراوح بين 10% و20%، وهو ما يضاعف من أثر التضخم الداخلي، الذي قد يرتفع بدوره إلى مستويات تتجاوز 30% في سيناريو التصعيد الممتد.
ولا يقل الوضع تعقيدًا في أوروبا، التي تستهلك نحو 15 مليون برميل نفط يوميًا وتعتمد على الاستيراد بنسبة تتجاوز 60%. ورغم امتلاكها احتياطيات استراتيجية تغطي ما بين 90 إلى 120 يومًا من الاستهلاك، فإن استمرار الأزمة لأكثر من 3 أشهر قد يؤدي إلى استنزاف جزء كبير من هذه الاحتياطيات، خاصة مع ارتفاع الطلب الشتوي أو اضطراب الإمدادات البديلة. كما أن ارتفاع أسعار الغاز بنسبة 50% قد يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج الزراعي الأوروبي بنحو 15%، ما يضغط على الإمدادات الغذائية المحلية ويرفع الأسعار.
لكن البعد الأكثر حساسية يتمثل في الأمن المائي في دول الخليج، حيث تعتمد بعض الدول بنسبة تصل إلى 90% إلى 100% على تحلية مياه البحر. وتنتج محطات التحلية في المنطقة ما يقرب من 20 إلى 25 مليون متر مكعب من المياه يوميًا، تكفي لتغطية احتياجات أكثر من 60 مليون نسمة. أي تعطّل بنسبة 30% فقط في هذه المحطات قد يؤدي إلى فقدان نحو 7 ملايين متر مكعب يوميًا، وهو ما يخلق عجزًا مائيًا فوريًا لا يمكن تعويضه بسهولة. كما أن تكلفة إنتاج المتر المكعب من المياه المحلاة تعتمد بنسبة تصل إلى 60% على الطاقة، ما يعني أن ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 50% قد يرفع تكلفة المياه بنفس النسبة تقريبًا.
هذا التداخل بين الطاقة والغذاء والمياه يخلق ما يمكن وصفه بـ”الأزمة الثلاثية”، حيث تتغذى كل أزمة على الأخرى. ومع استمرار التصعيد لأكثر من 6 أشهر، قد يدخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي، مع انخفاض النمو العالمي بنحو 1 إلى 2 نقطة مئوية، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قد تتجاوز 6% في الاقتصادات المتقدمة و10% في الأسواق الناشئة.
في المحصلة، تكشف هذه الأرقام أن ما يحدث ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو بداية محتملة لصدمة اقتصادية متعددة الأبعاد، تتراوح آثارها بين ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة قد تصل إلى 50%، وزيادة أسعار الغذاء بأكثر من 25%، وتراجع تدفقات النقد الأجنبي في دول مثل مصر بمليارات الدولارات، إلى جانب مخاطر مائية مباشرة تهدد ملايين السكان في الخليج. ومع هذا التداخل المعقد، يصبح العالم أمام اختبار حقيقي لقدرة أنظمته الاقتصادية على الصمود في مواجهة أزمة قد تكون الأطول والأكثر شمولًا في العصر الحديث.
كتب-د. محمد سامح
استاذ مساعد التمويل والاستثمار ووكيل البحوث والعلاقات الدولية كليه ادارة واقتصاد ونظم المعلومات السابق جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

